من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)
الغزل
وأما الغزل: فالقول فيه كالقول فيما مر من هذه الأبواب، إذا كان عيبه إنما هو مضادة ما قدمنا ذكره في باب نعته.
ومن الغزل الجاري على تلك المضادة، وفيه - مع أنه مثال في هذا الموضع للعيب - توكيد لما قدمناه في باب النعوت، قول إسحاق الأعرج مولى عبد العزيز بن مروان:
فلمَّا بدَا لي ما رابنِينزعتُ نزوعَ الأبيِّ الكريمْ
وبلغني أن أبا السائب المخزومي لما أنشد هذا البيت، قال، قبحه الله، لا والله ما أحبها ساعة قط.
ومثلها لنابغة بني تغلب، واسمه الحارث بن عدوان أحد بني زيد ابن عمرو بن غنم بن تغلب:
هجرتَ أمامةَ هجْراً طويلاًوما كان هجركَ إلا جمِيلا
على غَيْرِ بغضٍ ولا عنْ قِلىوإلاَّ حياءً وإلا ذهُولاً
بخلنَا لبخلكِ قدْ تعلمِينفكيف يلومُ البخيلُ البخِيلا
ولما كان المذهب في الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة، كان ما يحتاج فيه أن تكون الألفاظ لطيفة مستعذبة مقبولة، غير مستكرهة، فإذا كانت جاسية مستوخمة كان ذلك عيباً، إلا أنه لما يكن عيباً على الإطلاق، وأمكن أن يكون حسناً، إذ كان قد يحتاج إلى الخشونة في مواضع مثل ذكر البسالة والنجدة واليأس
والمرهبة، كان أحق المواضع التي يكون فيها عيباً الغزل لمنافرته تلك الأحوال وتباعده منها، فمن الكلام المستثقل في الغزل قول عبد الرحمن ابن عبد الله القس:
إن تنأَ داركِ لا أملُّ تذكُّراًوعليكِ منِّي رحمةٌ وسلامُ
ومن المستخشن قول هذا الشاعر أيضاً:
سلامَ ليتَ لساناً تنطقينَ بهقبلَ الذي نالني من صوتِهِ قطعَا
فما رأيت أغلظ ممن يدعو على معشوقته، حيث أجادت في غنائها له، بقطع لسانها.
العيوب العامة للمعاني:
وأما العيوب العامة للمعاني، من الأغراض التي ذكرناها وغيرها، وعموم ذلك إياها، كعموم النعوت التي قدمنا وعددنا في أبوابها، فمنها فساد القسم:
فساد القسم:
وذلك يكون إما بأن يكررها الشاعر، أو يأتي بقسمين: أحدهما داخل تحت الآخر في الوقت الحاضر، أو يجوز أن يدخل أحدهما تحت الآخر في المستأنف، أو أن يدع بعضها فلا يأتي به.
التكرير:
فأما التكرير، فمثل قول هذيل الأشجعي:
فما برحت تومي إليه بطرفهاوتومض أحياناً إذا خصمها غفل
لأن تومض وتومي بطرفها متساويان في المعنى.
دخول أحد القسمين في الآخر:
وأما دخول أحد القسمين في الآخر، فمثل قول أحدهم:
أبادرُ إهلاك مستهلكٍلماليَ أو عبثَ العابِث
فعبث العابث داخل في إهلاك مستهلك.
ومثل قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
لله نعمتُنا تبارَك ربُّناربُّ الأنامِ وربُّ من يتأبدُ
فليس يجوز أن يكون أمية أراد بقوله: من يتأبد الوحش، وذلك أن من لا تقع على الحيوان غير الناطق، وإذا كان الأمر على هذا، فمن يتوحش داخل في الأنام، أو يكون أراد بقوله: يتأبد يتقرب من الأبد، وذلك داخل في الأنام أيضاً.
وأما أن يكون القسمان مما يجوز دخول أحدهما في الآخر، فمثل قول أبي عدي القرشي:
غير ما أنْ أكونَ نلتُ نوَالاًمن نداهَا عفْواً ولا مهنِيَّاً
فالعفو قد يجوز أن يكون مهنياً، والمهني قد يجوز أن يكون عفواً.
وقد ضحك من أنوك سأل مرة فقال: علقمة بن عبدة جاهلي أو من بني تميم؟ فلأن الجاهلي قد يكون من بني تميم ومن بني عامر، والتميمي قد يكون جاهلياً وإسلامياً. ومن ذلك قول عبد الله بن سلمة الغامدي:
فهبطتُ غيْثاً ما تفزعُ وحشهُمن بين سربٍ ناوي وكنوسِ
ناو: سمين، يقال: نوى سمن، والسمين يجوز أن يكون كانساً أو راتعاً، والكانس يجوز أن يكون سميناً أو هزيلاً.
وأما القسم التي يترك بعضها مما لا يحتمل الواجب تركه، فمثل قول جرير في بني حنيفة:
صارتْ حنيفةُ أثلاثاً فثلثهمُمن العبيدِ وثلثٌ من مواليهَا
وبلغني أن هذا الشعر أنشد في مجلس، ورجل من بني حنيفة حاضر فيه، فقيل له: من أيهم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره. ومن عيوب المعاني:
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع