تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

مطلب تفسير ما جاء من الغريب فِي حديث البنات الثلاث اللاتي وصفن ما يحببن من الأزواج

وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريد، قَالَ: أَخْبَرَنِي عمى، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابن الكلبى، قَالَ: " قَالَت عجوز من العرب لثلاث بناتٍ لها: صفن ما تحببن من الأزواج، فقَالَت الكبرى: أريد أروع بساما، أحذ مجذاما، سيد ناديه، وثمال عافيه، ومحسب راجيه، فناؤه رحب، وقياده صعب.

وقَالَت الوسطى: أريد عالي السناء، مصمم المضاء، عظيم نار، متمم أيسار، يفيد ويبيد، ويبدئ ويعيد، هُوَ فِي الأهل صبىّ، وفي الجيش كمي، تستعبده الحليله، وتسوده الفضيله.

وقَالَت الصغرى: أريده بازل عام، كالمهند الصمصام، قرانه حبور، ولقاؤه سرور، إن ضم قضقض، وإن دسر أغمض، وإن أخل أحمض.

قَالَت أمها: فض فوك! لقد فررت لى شرة الشباب جذعةً " قَالَ أَبُو زيد: الأروع والنجيب واحد، وهما الكريم، وقَالَ غيره: الأروع: الَّذِي يروعك جماله.

والأحذ ههنا: الخفيف السريع، والأحذ أيضاً: الخفيف الذنب، ومنه قِيلَ: قطاة حذاء.

وقَالَ أَبُو بَكْرِ بن دريد: الحذذ: الخفة والسرعة، والقطاة الحذاء: السريعة الطيران، ويقَالَ: القليلة ريش الذنب، وحذ

الشىء يحذه حذا، إذا قطعه سريعا، الخذة: القطعة من اللحم، وأنشد الأعشى:

تكفيه حذة فلذٍ إن ألم بهامن الشواء ويروي شربه الغمر

قَالَ: ويروي حزة فلذٍ.

وقَالَ أَبُو عبيدة فِي قول عتبة بْن غزوان حين خطب الناس فقَالَ:

إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاءفلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء

قَالَ أَبُو عمرو وغيره:

الحذاء: السريعة الخفيفة التى قد انقطع آخرها، ومنه قِيلَ للقطاة: حذاء لقصر ذنبها مَعَ خفتها، وقَالَ النابغة الذبيانى:

حذاء مدبرةً سكاء مقبلةًللماء فِي النحر منها نوطة عجب
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

قَالَ: ومن هذا قِيلَ للحمار القصير الذنب أحذّ: أصل هذه الكلمة عندى الخفة، ولم أسمع فِي بيت أعشى باهلة حذة فلذ بالذال إلا من أَبِي بَكْر، فإن صحت هذه الرواية فلا تكون الحذة إلا القطعة الخفيفة.

والمجذام: مفعال من الجذم، والجذم: القطع، يريد أنّهُ قطاع الأمور.

والنادى والندى: المجلس.

والثمال: الغياث، وثمال القوم غياثهم ومن يقوم بأمرهم، يُقَال: فلان ثمال لبنى فلان إذا كَانَ يقوم بأمرهم، ويكون أصلا لهم وغياثا، ويقَالَ: هُوَ يثملهم، والمرأة تثمل الصبيان أى تكون أصلا لهم، قَالَ الحطيئة:

فدى لابن حصنٍ ما أريح فإنهثمال اليتامى عصمة فِي المهالك
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «فدى لابن حصن ما أريح فإنه»

والثمل ساكنة الميم: المقام والخفض، يُقَال: ليست دارنا بدار ثملٍ، قَالَ أسامة بْن الحارث الهذلى:

كفيت النسا نسال حر وديقةٍإذا سكن الثمل الظباء الكواسع

كفيت النسا، أى سريع العدو، وتلخيص معناه أن تَقُولُ: الكفيت: السريع.

والنسا: عرق فِي الفخذ يجرى إِلَى الساق، فكأنه قَالَ: سريع الرجل وإذا كان سريع الرجل كان ريع العدو.

والكواسع: التى تكسع بأذنابها من الذباب، ويقَالَ: اختار فلان دار الثمل، أى دار الخفض والمقام، وثمل فلان فما يبرح.

والثميلة: البقية تبقى من العلف والماء فِي بطن البعير وغيره، والجميع الثمائل، قَالَ ذو الرمة: وأدرك المتبقى من ثميلته ومن ثمائلها واستنشئ الغرب والثميلة: البقية تنقى من الماء فِي الصخرة أو الوادى، وقد قَالُوا: الثميل: الماء الَّذِي يبقى فِي الوادى بعد مضى السيل عَنْهُ، قَالَ الأعشى:

بناجيةٍ كأتان الثميلتقضى السرى بعد أين عسيرا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «غشيت لليلى بليل خدورا»

والأتان: الصخرة تكون فِي الماء، وإذا كانت فِي الماء القليل فأصابتها الشمس صلبت.

والثمالة: رغوة اللبن، يُقَال: حقنت الصريح وثملت الرغوة يريد بقيت، قَالَ مزرد: إذا مس خرشاء الثمالة أنفه ثنى مشفريه للصريح فاقنعا وقَالَ الأصمعى: الثمالة: ما بقى فِي العلبة من الرغوة خاصة، والثمالة: ما بقى فِي الحوض من الماء، وهو أيضاً: ما بقى فِي البطن من الماء والطعام، ويقَالَ: سقاه المثمل، يريد سقاه السم.

قَالَ أَبُو نصر: وترى أنّهُ أنقع فبقى وثبت، وسيف ثامل: أى باق فِي أيدى أصحابه زمانا، كذا قَالَ الأصمعى، وقَالَ أَبُو عمرو: قديم لا عهد لَهُ بالصقَالَ، وقَالَ خَالِد بْن كلثوم: هُوَ الَّذِي فِيهِ بقية، قَالَ ابن مقبل: لمن الديار عرفتها بالساحل وكأنها الواح سيف ثامل والثملة: الصوفة تجعل فِي الهناء ثم يطلى بها البعير، أنشد الأصمعى:

ممغوثة أعراضهم ممرطلةكما تلاث فِي الهناء الثملة

والثملة ساكنة الميم: الحب والتمر والسويق يكون فِي الوعاء إِلَى نصفه فما دونه، والجماع: الثمل.

والثملة: ما أخرجت من أسفل الركية من التراب والطين، وهذان الحرفان رويناهما عَنْ أَبِي عُبَيْد بضم الثاء، وعن أَبِي نصر بفتح الثاء، ويقَالَ: ثمل يثمل ثملاً إذا أخذ الشراب فِيهِ، وعافيه الذين يعفونه، أى: يأتونه، يُقَال: عفاه يعفوه واعتفاه يعتفيه، وعراه يعروه واعتراه يعتريه، واعتره يعتره، وعره يعره.

ومحسب: كافٍ

أنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري لامرئ القيس:

فتملأ بيتنا أقطا وسمناوحسبك من غنىً شبع ورى
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

أي: يكفيك الشبع والري وفناؤه رحب: أى واسع، ويقَالَ: فناء الدار وثناؤها.

والسناء من الشرف ممدود ومن الضوء مقصور.

والمصمم من الرجال: الَّذِي يمضى فِي الأمور لا يرد عزمه شىء، والمصمم من السيوف: الَّذِي يمضى فِي الضرائب لا يحبسه شىء.

وأيسار جمع يسر، وهو الذى يدخل مَعَ القوم فِي القداح، وهو مدح، وقَالَ الشاعر:

وراحلةٍ نحرت لشربٍ صدقٍوما ناديت أيسار الجزور

والبرم: الَّذِي لا يدخل مَعَ القوم فِي الميسر، وهو ذم وجمعه أبرام، قَالَ متمم:

ولا برم تهدى النساء لعرسهإذا القشع من برد الشتاء تقعقعا

ويقَالَ: كَانَ رَجُل برماً فجاء إِلَى امرأته وهي تأكل لحما فجعل يأكل بضعتين بضعتين، فقَالَت لَهُ امرأته: أبرما قروناً فأرسلتها مثلا.

وقَالَ أَبُو زيد: الكمى: الجرىء المقدم كَانَ عَلَيْهِ سلاح أو لم يكن.

وقَالَ غيره: الذى يكمى شجاعته فِي نفسه أى: يسترها.

وقَالَ ابن الأعرابى: الكمى: الشجاع، وسمى كمياً لأنه يتكمى الأقران لا يكع ولا يجبن عَنْ قرنه، أى: يقصد، وكل ما اعتمدته فقد تكميته، وأنشد:

بل لو شهدت الناس إذ تكموابقدرٍ حم لهم وحموا
للشاعر العجاج، من قصيدة «بل لو شهدت الناس إذ تكموا»

وغمة لو لم تفرج غموا

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.