تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

مطلب خطبة هانئ بن قبيصة فِي قومه يحرضهم عَلَى الحرب يوم ذي قار

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: قَالَ هانئ بن قبيصة الشيباني لقومه يوم ذى قار وهو يحرضهم: يا معشر بكرٍ، هالك معذور، خير من ناجٍ فرور، إن الحذر لا ينجى من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن فِي ثغر النحور، أكرم منه فِي الأعجاز والظهور.

يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا من بد

وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لحميد بن الثور الهلالى:

ولقد نظرت إِلَى أغر مشهرٍبكرٍ توسن بالخميلة عونا
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
متسنم سنماتها متفجسبالهدر يملأ أنفسا وعيونا
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
لقح العجاف له لسابع سبعةٍوشربن بعد تحلؤ فروينا
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

يعنى بأغر سحابا فيه برق أو هو أبيض.

وبكرٍ: لم يمطر قبل ذلك.

وتوسن: طرقها ليلا عند الوسن، أى وقت اختلاط النعاس بعيون الناس، يُقَال: توسنت الرجل، أى أتيته وهو وسنان.

والخميلة: رملة كثيرة الشجر.

وعون جمع عوان، وهى الأرض التى أصابها المطر مرة، وهذا مثل وأصله فِي النساء، قَالَ الكسائى: العوان: التى قد كان لها زوج، ومنه قيل: حرب عوان.

وقوله متسنم، شبهه بالبعير الذى يتسنم أسنمة الإبل، أى يعلوها.

والسنمات: العظام السنام، يريد أن هذا السحاب كأنه يتسنم التلال والآكام، أى يعلوها، وهو مثل.

ومتفجس: متكبر.

بالهدر: يعنى رعده.

وقوله: يملأ أنفسنا: تعجبا منه، وقَالَ بعضهم: لهولها.

ولقحت: نبت عشبها.

والعجاف: الأرضون التى لم تمطر، وهو مثل.

بعد تحلؤ: بعد منع من الماء.

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، قَالَ: سمعت عمى يحدث سران أبا العباس ابن عمه، وكان من أهل العلم، قَالَ: سهرت ليلةً من ليالى بالبادية، وكنت نازلا عند رجل

من بنى الصيداء من أهل القصيم، وكان، والله، واسع الرحل، كريم المحل، فأصبحت وقد عزمت عَلَى الرجوع إِلَى العراق، فأتيت أبا مثواى، فقلت: إنى قد هلعت من الغربة واشتقت أهلي، ولم أفد فِي قدمتي هذه إليكم كبير علم، وإنما كنت أغتفر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة، فأظهر توجعا، ثم أبرز غداءً له فتغديت معه، وأمر بناقة له مهرية كأنها سبيكة لجين فارتحلها واكتفلها، ثم ركب وأردفنى وأقبلها مطلع الشمس، فما سرنا كبير مسير حتى لقينا شيخ عَلَى حمار له جمة قد ثمغها كالورس فكأنها قنبيطة، وهو يترنم، فسلم عليه صاحبى وسأله عَنْ نسبه، فاعتزى أسدياً من بنى ثعلبة، فقَالَ: أتنشد أم تقول؟ فقَالَ: كلا، فقَالَ: أين تؤم؟ فأشار إِلَى ماء قريب من الموضع الذي نحن فيه، فأناخ الشيخ وقَالَ لي: خذ بيد عمك فأنزله عَنْ حماره، ففعلت، فألقي له كيسا قد كان اكتفل به، ثم قَالَ: أنشدنا، رحمك الله، وتصدق عَلَى هذا الغريب بأبيات يعيهن عنك ويذكرك بهن، فقَالَ: إى ها الله إذاً! ثم أنشدنى:

لقد طال يا سوداء منك المواعدودون الجدا المأمول منك الفراقد
إذا أنت أعطيت الغني ثم لم تجدبفضل الغنى ألفيت مالك حامد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أخلفت سوداء منك المواعد»
تمنيننا غداً وغيمكم غداضباب فلا صحو ولا الغيم جائد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أخلفت سوداء منك المواعد»
وقل غناءً عنك مال جمعتهإذا ثار ميراثا وواراك لا حد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض مايريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهللم تزل عليك بروق جمة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزلجنيباً كما استتلى الجنيبة قائد
إذا أنت لم تترك طعامًا تحبهولا مقعدًا تدعوا إليه الولائد
تجللت عارا لا يزال يشبهسباب الرجال نقرهم والقصائد

وأنشدنى أيضاً:

تعز فإن الصبر بالحر أجملوليس عَلَى ريب الزمان معول
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
فلو كان يغنى أن يرى المرء جازعاًلنازلة أو كان يغنى التذلل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
لكان التعزى عند كل مصيبةونازلةٍ بالحر أولى وأجمل
فكيف وكل ليس يعدو حمامهوما لامرئ عما قضى الله مزحل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
فإن تكن الأيام فينا تبدلتببؤسٍ ونعمى والحوادث تفعل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
فما لينت منا قناةً صليبةًولا ذللتنا للذي ليس يجمل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
ولكن رحلناها نفوسا كريمةتحمل ما لا يستطاع فتحمل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
وقنا بعزم الصبر منا نفوسنافصحت لنا الأعراض والناس هزل

قَالَ أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ عبد الرحمن، قَالَ عمى: فقمت والله وقد أنسيت أهلي، وهان عَلَى طول الغربة وشظف العيش سروراً بما سمعت، ثم قَالَ لي: يا بني، من لم تكن استفادة الأدب أحب إليه من الأهل والمال لم ينجب

وأنشدنى أَبُو بَكْرٍِ قَالَ: أنشدنى أَبُو عثمان:

إذا ما فقدتم أسود العين كنتمكراما وأنتم ما أقام ألائم

أسود العين: جبل، والجبل لا يغيب، يقول: فأنتم لئام أبدا.

وقرأت عليه لعدى بن زيد يصف فرسا:

أحال عليه بالقناة غلامنافأذرع به لخلة الشاة راقعا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

أذرع به، أي ما أذرعه، أي ما أسرعه! وقوله: لخلة الشاة راقعاً، أى يلحقها فيرقع ما بينه وبينها من الفرجة حتى لا يكون بينهما فرجة، وحكى عَنْ خلف الأحمر، أنه قَالَ: يعدو الفرس وبين الشاتين خلة، أى فرجة فيدخل بينهما فكأنه رقع الخلة بنفسه لما سار فيها.

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.