من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب حديث مصاد بن مذعور، وخروجه فِي طلب الذود، وما أخبره به الجواري الأربع الطوارق بالحصي
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنِ العباس بن هشام، عَنْ أبيه، قَالَ: كان مصاد بن مذعور القينى، رئيسا قد أخذ مرباع قومه دهرا، وكان ذا مال فند ذود من أذوادٍ له فحرج فِي بغائها، قَالَ: فإنى لفى طلبها إذ هبطت وادياً شجيراً كثيف الظلال وقد تفسخت أينا،
فأنخت راحلتي فِي ظل شجرة، وحططت رحلى، ورسغت بعيرى، واضطجعت فِي بردى، فإذا أربع جوار كأنهن اللآلئ يرعين بهما لهن، فلما خالطت عينى السنة أقبلن حتى جلسن قريبا منى، وفى كف كل واحدة منهن حصيات تقلبهن، فخطت إحداهن ثم طرقت فقَالَت: قلن يا بنات عراف، فِي صاحب الجمل النياف، والبرد الكثاف، والجرم الخفاف.
ثم طرقت الثانية فقَالَت: مضل أذواد علا كد، كوم صلاخد، منهن ثلاث مقاحد، وأربع جدائد، شسف صمارد.
ثم طرقت الثالثة فقَالَت: رعين الفرع، ثم هبطن الكرع، بين العقدات والجرع.
فقَالَت الرابعة: ليهبط الغائط الأفيح، ثم لظهر فِي الملا الصحصح، بين سديرٍ وأملح، فهناك الذود رتاع بمنعرج الأجرع.
قَالَ: فقمت إِلَى جملى فشددت عليه رحله فركبت، والله ما سألتهن من هن ولا ممن هن.
فلما أدبرت قَالَت إحدهن: أبرح فتي إن جد فِي طلب، فما له غيرهن نشب، وسيثوب عَنْ كثب، ففزع قلبى والله قولها، فقلت: وكيف هذا؟ وقد خلفت بوادى عرجا عكامساً، فركبت السمت الذى وصف لى، حتى انتهيت إِلَى الموضع، فإذا ذودى رواتع، فضربن أعجازهن حتى أشرفت عَلَى الوادى الذى فيه إبلى، فإذا الرعاء تدعو بالويل، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: أغارت بهراء عَلَى إبلك فأسحفتها، فأمسيت والله مالى مال غير الذود، فرمي الله نواصيهن بالرغس، وإنى اليوم لأكثر بنى القين مالا، وفى ذلك القول:
هو الدهر آسٍ تارةً ثم جارحسوانحه مبثوثة والبوارح
فبينا الفتى فِي ظل نعماء غضةتباكره أفياؤه وتراوح
إلى أن رمته الحادثات بنكبةٍتضيق به منها الرحاب الفسائح
فاصبح نضواً لا ينوء كأنمابأعظمه مما عراه القوادح
فما خلتني من بعد عرج عكامسأقسس أذوادا وهن روازح
حدابير ما ينهضن إلا تحاملاشواسف عوج أسأرتها الجوائح
فيا واثقاً بالدهر كن غير آمنٍلما تنتضيه الباهظات الفوادح
فلست عَلَى أيامه بمحكمٍإذا فغرت فاها الخطوب الكوالح
مجيرك منه الصبر أم كنت صابراوإلا كما يهوى العدو العدو المكاشح
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع