تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

مطلب خطبة الأعرابي السائل فِي المسجد الحرام وشرح غريب ذلك

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو زيد، قَالَ: بينا أنا فِي المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابى فقَالَ: يا مسلمون، إن الحمد لله والصلاة عَلَى نبيه، إنى امرؤ من أهل هذا الملطاط الشرقى المواصى أسياف تهامة، عكفت عَلَى سنون محش، فاجتبت الذري، وهشمت

العري، وجمشت النجم، وأعجت البهم، وهمت الشحم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم، وغادرت التراب مورا، والماء غورا، والناس أوزاعا، والنبط قعاعا، والضهل جزاعا، والمقام جعجاعا، يصبحنا الهاوى، ويطرقنا العاوى، فخرجت لا أتلفع بوصيده، ولا أتفوت هبيده، فالبخصات وقعة، والركبات زلعة، والأطراف قفعة، والجسم مسلهم، والنظر مدرهم، أعشو فأغطش، وأضحى فأخفش، أسهل ظالعا، وأحزن راكعا، فهل من آمرٍ بميرٍ، أو داعٍ بخير، وقاكم الله سطوة القادر، وملكة الكاهر، وسوء الموارد، وفضوح المصادر.

قَالَ: فأعطيته دينارا، وكتبت كلامه واستفسرته ما لم أعرفه قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الملطاط: أشد انخفاضاً من الغائط وأوسع منه، وحكى اللحيانى، عَنِ الأصمعى، أنه قَالَ: الملطاط: كل شفير نهر أو واد.

والمواصي والمواصل واحد، يُقَال: تواصى النبت إذا اتصل بعضه ببعض.

وأسياف جمع سيف، وهو ساحل البحر.

وعكفت: أقامت.

والسنون: الجدوب.

ومحش جمع محوش، وهى التى تمحش الكلا، أى تحرقه.

واجتنبت، افتعلت من الجب، يُقَال جببت السنام إذا قطعته، وكل شيء استأصلته فقد جببته.

وهشمت: كسرت.

والعرى جمع عروة، والعروة: القطعة من الشجر لا يزال باقيا عَلَى الجدب ترعاه أموالهم، قَالَ التغلبى: يروى:

خلع الملوك وسار تحت لوائهشجر العرى وعُرَاعر الأقوام
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «خلع الملوك وسار تحت لوائه»

ويروى: وعَرَاعِر، وهم السادة.

وجمشت: احتلقت، قَالَ رؤبة: أو كاحتلاق النورة الجموش والنجم: ما نجم ولم يستقل عَلَى ساق.

وأعجت أى جعلتها عجايا، والعجي: السيئ الغذاء المهزول، قَالَ الشاعر:

عدانى أن أزورك أن بهميعجايا كلها إلا قليلا

وهمت: أذابت، العرب تقول: همك ما أهمك، أى أذابك ما أحزنك.

قَالَ: وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ: التحبت اللحم: عرفته عَنِ العظم.

وأحجنت العظم، أى عوجته فصيرته كالمحجن.

والمور:

الذي يجيء ويذهب، قَالَ إسماعيل: والمرو: الطريق، رواه أَبُو عبيدة، والمور بضم الميم: الغبار بالريح قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: الغور: الغائر: وأوزاع: فرق.

والنبط: الماء الذى يستخرج من البئر أول ما تحفر، قَالَ الشاعر:

قريب ثراه لا ينال عدوهله نبطا عند الهوان قطوب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة

والقعاع: الماء الملح المر.

والضهل: القليل من الماء، ومنه قيل: ما ضهل إليه منه شىء.

والجزاع: أشد المياه مرارة، قَالَ إسماعيل، قَالَ يعقوب، ويقَالَ: ماء ملح، فإذا اشتدت ملوحته قيل: زعاق وقعاع وأجاج وحراق، أى يحرق أوبار الماشية من شدة قَالَ: ويقَالَ: ماء ملح يفقأ عين الطائر إذا بولغ فِي ملوحته، وماء خمجرير إذا كان ثقيلا، وقَالَ ابن الأعرابى يُقَال: ماء مخضرم وخمجرير ومخضم إذا لم يكن عذبا.

والجعجاع: المكان الذى لا يطمئن من قعد عليه.

، قَالَ الأصمعى: الجعجاع: المحبس، وأنشد:

إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس

وقَالَ أَبُو عمرو الشيبانى: الجعجاع: الأرض، وكل أرض جعجاع.

وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ: الهاوى: الجراد.

والعاوي: الذئب.

والتلفع: الاشتمال.

قال: وهو اشتمال الصماء عند العرب، وهو ألا يرفع جانبا منه فتكون فيه فرجة.

والوصيدة: كل نسيجة.

والهبيد: حب الحنظل يعالج حتى يطيب فيختبز.

والبخصات، واحدها بخصة، وهى لحم باطن القدم.

ووقعة، من قولهم: وقع الرجل إذا اشتكى لحم باطن قدمه، قَالَ الراجز:

يا ليت لى نعلين من جلد الضبعوشركاً من استها لا تنقطع

كل الحذاء يحتذى الحافى الوقع

وزلعة: متشققة، وأنشد:

وغملى نصى بالمتان كأنهاثعالب موتي جلدها قد تزلعا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ضعيف العصا بادي العروق ترى له»

غملى: فعلى، وهو الذى قد تراكب بعضه عَلَى بعض.

وقفعة ومقفعة واحد، وهى التى قد تقبضت ويبست.

وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ: المسلهم: الضامر المتغير.

، وقَالَ أَبُو زيد: المسلهم: المدبر فِي جسمه، وتفسير أَبِي بَكْرٍ أحسبه كلام الأصمعى.

والمدرهم: الضعيف البصر الذى قد ضعف بصره من جوع أو مرض.

ولم يذكر هذه الكلمة أحد ممن عمل خلق الإنسان.

وأعشوا: أنظر، يُقَال: عشوت إِلَى النار إذا أحددت نظرك إليها، وأنشد:

متى تأته تعشو إِلَى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «تزور امرءا يعطى على الحمد ماله»

وقوله: فأغطش، أى أصير غطشا، والغطش: ضعف فِي البصر، يُقَال: رجل أغطش، وامرأة غطشى.

وأسهل ظالعا، يقول: إذا مشيت فِي السهول ظلعت، أى غمزت.

وأحزن راكعا، أى إذا علوت الحزن ركعت، أى كبوت لوجهى.

والمير: العطية، من قولهم: ما رهم يميرهم ميرا.

الكاهر والقاهر واحد، وقد قرأ بعضهم: فأما أليتيم فلا تكهر

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قَالَ أعرابى لرجل: ما اتهمت حسن ظنى بك منذ توجه رجائي نحوك، ولا قعدت بجد فائلٍ باعتمادى عليك، ولا استدعتني رغبة عنك إِلَى من سواك، ولا أرانى الاختبار غيرك عوضاً منك: الفائل: المخطئ، يُقَال: رجل فال الرأي، وفائل الرأي، وفيل الرأي، وفيل الرأي، إذا كان مخطئ الرأى

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت أعرابيا ذكر رجلا فقَالَ: كان والله للإخاء وصولا، وللمال بذولا، وكان الوفاء بهما عليه كفيلا، ومن فاضله كان مفضولا وقَالَ أَبُو زيد ومن أمثال العرب لم يهلك من مالك ما وعظك، أى إذا أفسدت بعض مالك فوعظك الذى أفسدت فأصلحت بعد، فكأن الذى أفسدت لم يهلك.

ويقَالَ: ذليل عاذ بقرملةٍ، وهى شجرة صغيرة يُقَال ذلك لمن عاذ بمن هو أذل منه أو مثله.

ويقَالَ: قد تحلب الضجور العلبة، أى قد تصيب من السيئ الخلق اللين لا تعدم ناقة من أمها حنة، أى لا تعدم شبهاً، يُقَال ذلك لمن أشبه أباه أو أمه.

وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، وقرأنا أيضاً عليه:

أقبلن من أعلى فياف بسحريحملن صلالاً كأعيان البقر

قوله: يحملن صلالاً، أى يحملن فحما يصل، أى يصوت.

وأعيان جمع عين.

وقرأنا عليه أيضاً لزيد الخيل:

نصول بكل أبيض مشرفىعلى اللاتى بقي فيهن ماء
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة
عشية نؤثر الغرباء فينافلا هم هالكون ولا رواء

يعنى أنهم يفتظون الإبل فيأخذون ما بقى فِي كروشها من الماء.

ومثله:

وشربة لوحٍ لم أجد لشفائهابدون ذباب السيف أو شفره حلا

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: بينما أنا سائر بناحية بلاد بني عامر، إذ مررت بحلة فِي غائط يطؤهم الطريق، وإذا رجل ينشد فِي ظل خيمة له وهو يقول:

أحقاً عباد الله أن لست ناظراًإلى قرقرى يوماً وأعلامها الغبر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
كأن فؤادى كلما مر راكبجناح غراب رام نهضاً إِلَى وكر
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةدعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
فيا راكب الوجناء أبت مسلماولا زلت من ريب الحوادث فِي ستر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوهسقيت عَلَى شحط النوى سبل القطر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
فإنك من وادٍ إِلَى مرجبوإن كنت لا تزدار إلا عَلَى عفر

قَالَ: فأذنت له وكان ندى الصوت، فلما رآنى أومأ إِلَى فأتيته فقَالَ: أأعجبك ما سمعت؟ فقلت: إى والله، فقَالَ: من أهل الحضارة أنت؟ قلت: نعم، قَالَ: فممن تكون؟ قلت: لا حاجة لك فِي السؤال عَنْ ذلك فقَالَ: أو ما حل الإسلام الضغائن وأطفأ الأحقاد؟ قلت: بلى، قَالَ: فما يمنعك إذا؟ قلت: أنا امرؤ من قيس، فقَالَ: الحبيب القريب من أيهم؟ قلت: أحد بني سعد بن قيس، ثم أحد بنى أعصر بن سعد، فقَالَ: زادك الله قربا، ثم وثب فأنزلنى عَنْ حمارى، وألقى عنه إكافه وقيده بقراب خيمته، وقام إلي زند فاقتدح وأوقد ناراً، وجاء بصيدانةٍ فألقى فيها تمرا وافرغ

عليه سمنا، ثم لفته حتى التبك، ثم ذر عليه دقيقاً وقربه إِلَى، فقلت: إنى إِلَى غير هذا أحوج قَالَ: وما هو؟ قلت: تنشدنى، فقَالَ: أصب فإنى فاعل، فلقمت لقيماتٍ وقلت: الوعد، فقَالَ: ونعمى عينٍ، ثم أنشدنى:

لقد طرقت أم الخشيف وإنهاإذا صرع القوم الكري لطروق
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
فيا كبدا يحمى عليها وإنهامخافة هيضات النوى لخفوق
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
أقام فريق من أناس يودهمبذات الغضا قلبى وبان فريق
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
بحاجة محزون يظل وقلبهرهين ببيضات الحجال صديق
تحملن أن هبت لهن عشيةًجنوب وأن لاحت لهن بروق
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
كأن فضول الرقم حين جعلنهاغديا عَلَى أدم الجمال عذوق
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
وفيهن من بحت النساء ربحلةتكاد عَلَى غر السحاب تروق
هجان فأما الدعص من أخرياتهافوعث وأما خصرها فدقيق
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة

قَالَ: ففارقته وأنا من أشد الناس ظمأ إِلَى معاودة إنشاده

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.