من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب ما وقع لخالد بن عبد الله القسري من الحصر وهو عَلَى المنبر وما قاله فِي ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بن سعيد، عَنِ العباس بن الهاشم الكلبى، قَالَ: صعد خالد بن عبد الله القسرى، يوما المنبر بالبصرة ليخطب فارتج عليه، فقَالَ: أيها الناس، إن الكلام ليجىء أحيانا فيتسبب سببه، ويعزب أحيانا فيعز مطلبه، فربما طولب فأبى، وكوبر فعصى، فَالتَّأَنِّي لِمَجِيِّهِ، أصوب من التعاطى لأَبِيِّهِ، ثم نزل.
فما رئي حصر أبلغ منه
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، لنفسه:
أرى الشيب مذ جاوزت خمسين دائبايدب دبيب الصبح فِي غسق الظلم
هو السقم إلا أنه غير مؤلمولم أر مثل الشيب سقما بلا ألم
وأنشدني بعض أصحابنا لعلي بن العباس الرومى:
يا بياض المشيب سودت وجهىعند بيض الوجوه سود القرون
فلعمرى لأخفينك جهدىعَنْ عيانى وعن عيان العيون
ولعمري لأمنعك أن تظهرفِي رأس آسفٍ محزون
بسواد فيه ابيضاض لوجهىوسواد لوجهك الملعون
وأنشدنا الأخفش لمنصور النمرى:
ما واجه الشيب من عينٍ وإن وفقتإلا لها نبوة عنه ومرتدع
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى قَالَ: أنشدنا أبى:
رأيت الشيب تكرهه الغوانىويحببن الشباب لما هوينا
فهذا الشيب نخضبه سواداًفكيف لنا فنسترق السنينا
وفى الخضاب:
إن شيئاً صلاحه بالخضابلعذاب موكل بعذاب
ولعمر الإله لولا هوى البيضوأن تشمئز نفس الكعاب
لأرحت الخدين من وضر الخطروأذعنت لانقضاء الشباب
ومن أحسن ما قيل فِي مدح الشيب:
والشيب إن يحلل فإن وراءهعمرا يكون خلاله متنفس
لم ينتقص منى المشيب قلامةًألآن حين بدا ألب وأكيس
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أبى:
لا يرعك المشيب يابنة عبد اللهفالشيب جلة ووقار
إنما تحسن الرياض إذا ماضحكت فِي خلالها الأنوار
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الحسن بن البراء، قَالَ: قَالَ أَبُو الحسن الأسدى: مات رجل كان يعول اثنى عشر ألف إنسان، فلما حمل عَلَى النعش صر عَلَى أعناق الرجال، فقَالَ رجل فِي الجنازة:
وليس صرير النعش ما تسمعونهولكنه أعناق قوم تقصف
وليس فتيق المسك ما تجدونهولكنه ذاك الثناء المخلف
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لبعض العرب:
دببت للمجد والساعون قد بلغواجهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتى مل أكثرهموعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرا أنت آكلهلن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وأنشدنا غير واحد من أصحاب أبى العباس منهم: ابن السري، والأخفش ابن درستويه، قالوا: أنشدنا أَبُو العباس المبرد، لعبد الصمد بن المعذل فيه:
سألنا عَنْ ثمالةً كل حىفقَالَ القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهمفقالوا زدتنا بهم جهاله
فقَالَ لى المبرد خل عنىفقومى معشر فيهم نذاله
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنى سعيد بن هارون:
فلو أبصرت دارك فِي محليحل الحزن فيه والسرور
رأيت منادحا لم يرع فيهاملال مذ نايت ولا فتور
قَالَ يخاطب امرأة يقول: لو رأيت محلك فِي قلبى، فلم يستقم له الشعر، فقَالَ: دارك وقوله: يحل الحزن فيه والسرور يعنى القلب، لأن الحزن والسرور فيه يكونان.
وقوله: منادحاً، يعنى متسعاً.
وقوله: لم يرع فيها ملال مذ نأيت ولا فتور، مثل.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع