تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

مطلب حديث ليلي الأخيلية مع الحجاج وشرح الغريب من ذلك

وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن عبيد، عَنْ أبى الحسن المدائني، عمن حدثه، عَنْ مولى لعنبسة بن سعيد بن العاصى، قَالَ: كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد بن العاصى إذا دخل عَلَى الحجاج، فدخل يوما، فدخلت إليهما، وليس عند الحجاج أحد إلا عنبسة، فأقعدني فجي الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئا فجاءنى به، ثم جىء بطبق آخر حتى كثرت الأطباق.

وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءنى منه بشىء، حتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهما، ثم جاء الحاجب فقَالَ: امرأة بالباب؟ فقَالَ له الحجاج: أدخلها، فدخلت، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها، وإذا هى ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عَنْ نسبها فانتسبت لها، فقَالَ له: يا ليلى: ما أتى بك؟ فقَالَت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد.

فقَالَ لها: صفى لنا الفجاج، فقَالَت: الفجاج مغبرة، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذو العيال مختل، والهالك للقل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة، لم تدع لنا هبعاً، ولا ربعا، ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال، ومزقت الرجال، وأهلكت العيال، ثم قَالَت: إنى قلت فِي الأمير قولا، قَالَ: هاتى، فأنشأت تقول: أحجاج لا يفلل سلاحك إنها المنايا بكف الله حيث تراها

أحجاج لا تعطى العصاة مناهمولا الله يعطي للعصاة مناها
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةًتتبع أقصى دائها فشفاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
شفاها من الداء العضال الذى بهاغلام إذا هز القناة سقاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
سقاها فرواها بشرب سجالهدماء رجال حيث مال حشاها
إذا سمع الحجاج رز كتيبةٍأعد لها قبل النزول قراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
أعد لها مسمومةً فارسيةبأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثلهببحر ولا أرضٍ يجف ثراها

قَالَ: فلما قَالَت هذا البيت قَالَ الحجاج: قاتلها الله! والله ما أصاب صفتى شاعر مذ دخلت العراق غيرها، ثم ألتفت إِلَى عنبسة بن سعيد فقَالَ: والله إنى لأعد للأمر عسى ألا يكون أبداً، ثم التفت إليها فقَالَ: حسبك، قَالَت: إنى قد قلت أكثر من هذا، قَالَ: حسبك! ويحك حسبك! ثم قَالَ: يا غلام، اذهب إِلَى فلان فقل له: اقطع لسانها، فذهب بها فقَالَ له: يقول لك الأمير: اقطع لسانها، قَالَ: فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه فقَالَت: ثكلتك أمك! أما سمعت ما قَالَ، إنما أمرك أن تقطع لسانى بالصلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضبا وهم بقطع لسانه وقَالَ: ارددها، فلما دخلت عليه قَالَت: كاد وأمانة الله يقطع مقولى، ثم أنشأت تقول:

حجاج أنت الذي ما فوقه أحدإلا الخليفة والمستغفر الصمد
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحتوأنت للناس نور فِي الدجى يقد

ثم أقبل الحجاج عَلَى جلسائه فقَالَ: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير، إلا أنا لم نر قط أفصح لسانا، ولا أحسن محاورة، ولا أملح وجها، ولا أرصن شعراً منها! فقَالَ: هذه ليلى الأخيلية، التى مات توبة الخفاجى من حبها! ثم التفت إليها فقَالَ: أنشدينا يا ليلى بعض ما قَالَ فيك توبة، قَالَت: نعم أيها الأمير، هو الذى يقول:

وهل تبكين ليلى إذا مت قبلهاوقام عَلَى قبرى النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتهاوجاد لها دمع من العين سافح
وأغبط من ليلى بما لا أنالهبلى كل ما قرّت به العين طائح
ولو أن ليلى الأخيلية سلمتعلى ودونى جندل وصفائح
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «ألا هل فؤادي عن صبا اليوم صافح»
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقاًإليها صدّى من جانب القبر صائح
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

فقَالَ زيدينا من شعره يا ليلى، قَالَت: هو الذى يقول:

حمامة بطن الواديين ترنمىسقاك من الغر الغوادى مطيرها
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت»
أبينى لنا لا زال ريشك ناعماًولا زلت فِي خضراء غض نضيرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعتفقد رابنى منها الغداة سفورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
وقد رابنى منها صدود رأيتهوإعراضها عَنْ حاجتى وبسورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
وأشرف بالقور اليفاع لعلنىأرى نار ليلى أو يرانى بصيرها
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت»
يقول رجال لا يصيرك نأيهابلى كل ما شف النفوس يضيرها
بلى قد يضير العين أن تكثرالبكا ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأنى فاجرلنفسى تقاها أو عليها فجورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

فقَالَ الحجاج: يا ليلى، ما الذى رابه من سفورك؟ فقَالَت: أيها الأمير، كان يلم بى كثيراً، فأرسل إِلَى يوما أن آتيك، وفطن الحى فأرصدوا له، فلما أتانى سفرت عَنْ وجهى، فعلم أن ذلك لشر فلم يزد عَلَى التسليم والرجوع، فقَالَ: لله درك! فهل رايت منه شيئاً تكرهينه؟ فقَالَت: لا والله الذى أسأله أن يصلحك، غير أنه قَالَ مرة قولا طننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فأنشأت تقول:

وذى حاجةٍ قلنا له لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لنا صاحب لا ينبغى أن نخونهوأنت لأخرى صاحب وحليل

فلا والله الذى أسأله أن يصلحك، ما رأيت منه شيئا حتى فرق الموت بيني وبينه، فقَالَ: ثم مه! قَالَت: ثم لم يلبث أن خرج فِي غزاة له فأوصى ابن عم له: إذا أتيت الحاضر من بنى عبادة فناد بأعلى صوتك:

عفا الله عنها هل أبيتن ليلةًمن الدهر لا يسرى إِلَى خيالها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

وأنا أقول:

وعنه عفا ربى وأحسن حالهفعزت علينا حاجة لا ينالها

قَالَ: ثم مه! قَالَت: ثم لم يلبث أن مات فأتانا نعيه، فقَالَ: أنشدينا بعض مراثيك فيه، فأنشدت:

لتبك عليه من خفاجة نسوةبماء شئون العبرة المتحدر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

قَالَ لها: فأنشدينا، فأنشدته:

كأن فتى الفتيان توبة لم ينخقلائص يفحصن الحصى بالكراكر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فلما فرغت من القصيدة قَالَ محصن الفقعسي، وكان من جلساء الحجاج: من الذى تقول هذه هذا فيه؟ فوالله إنى لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثم قَالَت: أيها الأمير، إن هذا القائل لو رأى توبة لسره ألا تكون فِي داره عذراء إلا هى حامل منه، فقَالَ الحجاج: هذا وأبيك الجواب وقد كنت عنه غنياً، ثم قَالَ لها: سلى يا ليلى تعطى، قَالَت: أعط فمثلك أعطى فأحسن، قَالَ: لك عشرون، قَالَت زد فمثلك زاد فأجمل، قَالَ: لك أربعون، قَالَت: زد فمثلك زاد فأكمل، قَالَ: لك ثمانون، قَالَت زد فمثلك زاد فتمم، قَالَ: لك مائة، واعلمى أنها غنم، فقَالَت: معاذ الله أيها الأمير! أنت أجود جودا، وأمجد مجدا، وأورى زندا، من أن تجعلها غنما، قَالَ: فما هى ويحك يا ليلى؟ قَالَت مائة من الإبل برعاتها، فأمر لها بها، ثم قَالَ: ألك حاجة بعدها؟ قَالَت: تدفع إليَّ النابغة الجعدى، قَالَ: قد فعلت، وقد كانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربا عائذا بعبد الملك، فاتبعته إِلَى الشام، فهرب إِلَى قتيبة بن مسلم بخرسان، فاتبعته عَلَى البريد بكتاب الحجاج إِلَى قتيبة، فماتت بقومس ويقَال: بحلوان: قولها: إخلاف النجوم، تريد: أخلفت النجوم التى يكون بها المطر فلم تأت بمطر.

وكَلَبُ البرد: شدته، وهذا مثل لأن الكَلَب السعار الذى يصيب الكلاب والذئاب.

والرفد:

المعونة، والرفد: العطية، ويقَال: رفدته: من الرفد، وأرفدته إذا أعنته عَلَى ذلك، وقَالَ الأصمعى: الرفد، بكسر الراء: القدح.

والرفد بالفتح: مصدر رفدته، والرفود من الإبل التى تملأ الرفد، وقَالَ أَبُو عبيدة: الرفد، بفتح الراء: القدح، وأنشد قول الأعشى:

رب رفد هرقته ذلك اليوموأسرى من معشرٍ أقتال

قَالَ: والرفد، بالكسر: المعونة، وروى الأصمعى: رب رفد بكسر الراء.

والفجاج جمع فج، والفج: كل سعةٍ بين نشازين، كذا قَالَ أَبُو زيد: وقولها: والمبرك معتل، أرادت الإبل فأقامت المبرك مكانها لعلم المخاطب إيجازاً واختصارا، كما قالوا: نهاره صائم وليله قائم.

وقولها: وذو العيال مختل، أي مجتاح والخة الحاجة.

وقولها: والهالك للقل، أى من أجل القلة، وقولها: مسنتون أي مقحطون، والسنة: القحط، والسنون: القحوط.

ومجحفة: قاشرة.

وقولها: مبلطة، أى ملزقة بالبلاط، والبلاط: الأرض الملساء، وقَالَ الأصمعى: أبلط الرجل فهو مبلط إذا لزق بالأرض، وحكى يعقوب عَنْ غيره: أبلط فهو مبلط، وهو الهالك الذي لا يجد شيئا، قولها: لم تدع لنا هبعاً ولا ربعاً فالهبع: ما نتج فِي الصيف والربع: ما نتج فِي الربيع.

وقولها: ولا عافطة ولا نافطة، أى لم تدع لنا ضائنة ولا ماعزة، والعافطة: الضائنة، والعفط: الضرط، يُقَال: عفطت تعفط عفطا إذا ضرطت، فهى عافطة.

والنافطة: الماعزة، والنفط: العطاس، يُقَال: نفطت تنفط إذا عطست، فهى نافطة.

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.