من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب حديث البنين السبعة الذين هوت عليهم الصخرة، وما قاله فيهم أبوهم من الشعر، وشرح غريبة
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: أَخْبَرَنِي يونس، قَالَ: كَانَ لرجل من بنى ضبة فِي الجاهلية بنون سبعة، فخرجوا بأكلب لهم يقتنصون، فأووا إِلَى غار فهوت عليهم صخرة فأتت عليهم جميعهم، فلما استراث أبوهم أخبارهم، اقتفر آثارهم حتى انتهى إِلَى الغار فانقطع عَنْهُ الأثر، فأيقن بالشر، فرجع وأنشا يَقُولُ:
أسبعة أطوادٍ أسبعة أبحرأسبعة آسادٍ أسبعة أنجم
رزئتهم فِي ساعة جرعتهمكئوس المنايا تحت صخرٍ مرضم
فمن تك أيام الزمان حميدةًلديه فإني قد تعرفن أعظمى
بلغن نسيسى وارتشفن بلالتىوصليننى جمر الأسى المتضرم
أحين رمانى بالثمانين منكبمن الدهر منحٍ فِي فؤادى بأسهم
رزئت بأعضادى الذين بأيدهمأنوء واحمى حوزتى وأحتمى
فإن لم تذب نفسى عليهم صبابةً ... فسوف أشوب دمعها بعد الدم ... ثم لم يلبت بعدهم إلا يسيرا حتى مات كمدا.
: اقتفر: اتبع، يُقَال: قفرت الأثر واقتفرته إذا اتبعته ومرضم: منضد بعضه عَلَى بعض، قَالَ الأصمعى: يُقَال: بنى فلان دارا فرضم فيها الحجارة رضماً، وذلك إذا نضد الحجارة بعضها عَلَى بعض ومنه قِيلَ: رضم البعير بنفسه إذا رمي بها فلم يتحرك.
وتعرقن: أخذن ما عَلَيْهِ من اللحم، يُقَال: عرقت العظم وتعرقته إذا أخذت ما عَلَيْهِ من اللحم.
والنسيس: بقية النفس، قَالَ الشاعر:
فقد أودى إذا بلغ النسيس
وارتشفن: امتصصن.
والبلالة: الرطوبة
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، ﵀، تعالى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَان الأشناندانى، قَالَ: حَدَّثَنِي التوزى، عَنْ أَبِي عبيدة، قَالَ: لما مات حصين بْن الحمام سمعوا صارخا يصيح من جبل ويقول:
ألا ذهب الحلو الحلال الحلاحلومن عقده حزم وعزم ونائل
ومن قوله فصل إذا القوم أفحمواتصيب مرادى قوله ما يحاول
فلما سمعه معية أخوه قَالَ: هلك والله حصين، وأنشأ يَقُولُ:
نعيت حيا الأضياف فِي كل شتوةٍومدره حربٍ إذ تخاف الزلازل
ومن لا ينادى بالهضيمة جارهإذا أسلم الجار الألف المواكل
فمن وبمن نستدفع الضيم بعدهوقد صممت فينا الخطوب النوازل
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، وأَبُو حاتم، والأشنانداني، والرياشى، قَالُوا كلهم: سمعنا الأصمعى، يَقُولُ: كنت بالبادية فرأيت امْرَأة عند قبر وهي تبكى وتقول:
فمن للسؤال ومن للنوالومن للمقَالَ ومن للخطب
ومن للحماة ومن للكماةإذا ما الكماة جثوا للركب
إذا قِيلَ مات أَبُو مالكفتى المكرمات قريع العرب
فقد مات عز بني آدم وقدظهر النكد بعد الطرب
قَالَ: فملت إليها فقلت لها: من هذا الَّذِي مات هَؤُلَاءِ الخلق كلهم بموته؟ فقَالَت: أو ما تعرفه؟ قلت: اللهم لا، فأقبلت ودمعتها تنحدر وإذا هي مقاء برشاء ثرماء، فقَالَت: فديتك! هذا أَبُو مالك الحجام ختن أَبِي منصور الحائك! فقلت عليك لعنة الله! والله ما ظننت إلا أنه سيد من سادات العرب: قريع الشول: فحلها، والقريع: الفحل من الرجال الشجاع.
والمقاء: الطويلة، والأمق: الطويل، والمقق: الطول.
والثرماء: التي قد سقطت ثنيتاها
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، لأعرابى:
يقر بعينى أن أرى من مكانهذرى عقدات الأبرق المتقاود
وأن أراد الماء الَّذِي شربت بِهِسليمي وقد مل السرى كل واخد
وألصق أحشائى ببرد ترابهوإن كَانَ مخلوطا بسم الأساود
قَالَ: وأنشدنى عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه:
أمس العين ما مست يداهالعل العين تبرأ من قذاها
يَقُولُ الناس ذو رمدٍ معنىوما بالعين من رمدٍ سواها
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْر، ولم يسم قائله، ولا عزاه إِلَى أحد:
آل ليلى إن ضيفكم ضائعفِي الحي مذ نزلا
أمكنوه من ثنيتها لميرد خمراً ولا عسلا
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنْ أَبِي زيد:
إن كَانَ غرك إطراقى أَبَا حسنٍفالسيف يطرق حيناً قبل هزته
والحية الصل لا تغررك هدأتهفكم سليمٍ وموقوذ لنكزته
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنى عمى، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابن الكلبى، وأنشدنا أَبُو بَكْر ابن الأنبارى، عَنْ أحمد بْن يحيي، عَنْ ثعلب ابن الأعرابى:
يا مر يا خير أخٍنازعت در الحلمه
يا خير من أوقدللأضياف نارا جحمه
يا جالب الخيل إِلَىالخيل تعادى أضمه
يا قائد الخيل ومجتابالدلاص الدرمه
سيفك لا يشقى بِهِإلا العسير السنمه
جاد عَلَى قبرك غيثمن سماء رزمه
ينبت نوراً أرجاجرجاره والينمه
الحلمة طرف الثدى.
والدرمة: اللينة التى لا حجم لها.
وأضمه: غضابى يُقَال: أضم عَلَيْهِ أضما، أى غضب عَلَيْهِ، قَالَ الأخطل:
أضما وهز لهن رمحى رأسهأن قد أتيح لهن موت أحمر
وضمد عَلَيْهِ يضمد ضمدا إذا هاج وغضب، قَالَ النابغة:
ومن عصاك فعاقبه معاقبةًتنهى الظلوم ولا تقعد عَلَى ضمد
وحرب حربا إذا هاج وغضب، وحربته أَنَا فهو محرب، قَالَ الهذلى: كأن محربا من أسد ترجٍ ينازلهم لنابيه قبيب واضم وأتضم، قَالَ الشاعر: ومؤتضم عَلَى لأن جدى يبذ جدوده المتقدمينا ويقَالَ: أغد عَلَيْهِ إغدادا، وأصله من غدة البعير فهو مغد، وأسمغد فهو مسمغد إذا انتفخ من الغضب وورم، وضرم عَلَيْهِ ضرماً، وأصله من اضطرام النار، واحتدم عَلَيْهِ إذا تحرق عَلَيْهِ، وأصله من احتدام الحر، واسف عَلَيْهِ يأسف قَالَ اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ وعبد عَلَيْهِ يعبد، وحشم عَلَيْهِ يحشم حشما، وهؤلاء حشم فلان للذين يغضب لهم، وأحشمته أَنَا وحشمته.
وحكى الأصمعى: إنَّ ذَلِكَ لمما يحشم بنى فلان، أى يغضبهم.
وكت يكت وأصله من كتيب القدر، قَالَ رؤبة:
وطامح النخوة مستكتطأطأ من شيطانه التعتى
صكى عرانين العدى وصتي
ومعض يمعض معضا، قَالَ رؤبة:
وقد ترى ذا حاجةٍ مؤتضاذا معضٍ لولا يرد المعضا
قَالَ أَبُو عمرو: وازمهر ازمهرارا، إذا غضب، وأنشد:
أبصرت ثم جامعاً قد هراًونثر الجعبة وازمهرا
وكان مثل النار أو أحرا
ويقَالَ: قد قرطب إذا غضب فهو مقرطب، وأنشد:
إذا رآنى قد أتيت قرطباوجال فِي جحاشه وطرطبا
ويقَالَ: اصطخم، قَالَ ذو الرمة:
ظلت ثقالا وظل الجوب مصطخماكأنه بتناهى الروض محجوم
ورزمة: مصوتة.
: ومما اخترته وقرأته عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد:
قوم إذا اشتجر القنا جعلوا القلوب لها مسالكاللابسين قلوبهم فوق الدروع لدفع ذَلِكَ
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشى، عَنِ ابن سلام، عَنْ غرير بْن طلحة بْن عَبْد اللَّه، عَنْ عمه هند بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: بينا أَنَا مَعَ أَبِي بسوق المدينة إذ أقبل كثير، فلما رأى أَبِي عدل إلَيْهِ وتحدث معه ساعة، فقَالَ لَهُ أَبِي: هَلْ قلت بعدى شيئاً يا أَبَا صخر؟ قَالَ هند: فأقبل عَلَى وقَالَ: إحفظ هذه الأبيات، وأنشدنى:
وكنا سلكنا فِي صعود من الهوىفيما توافينا ثبت وزلت
وكنا عقدنا الوصل بيننا فلماوتواثقنا شددت وحلت
فواعجبا للقلب كيف اعترافهوللنفس لما وطئت كيف ذلت
وللعين أسراب إذا ما ذكرتهاوللقلب وسواس إذا العين ملت
وإنى وتهيامى بعزة بعدماتخليت مما بينا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلماتبوأ منها للمقيل اضمحلت
فإن سَأَلَ الواشون: فيم هجرتهافقل نفس حر سليت فتسلت
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع