من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب شرح ما جاء من الغريب فِي وصف الأعرابي لبنيه
وحَدَّثَنِي
أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: قلت لأعرابى بحمى الربذة: ألك بنون؟ قَالَ: نعم، وخالقهم لم تقم عَنْ مثلهم منجبة، فقلت: صفهم لى، فقَالَ: جهم وما جهم! ينضى الوهم، ويصد الدهم، ويفرى الصفوف، ويعل السيوف، قلت: ثم من؟ قَالَ: غشمشم وما غشمشم! ماله مقسم، وقرنه مجرجم، جذل حكاك، ومدره لكاك، قلت: ثم من؟ قَالَ: عشرب وما عشرب! ليث محرب، وسمام مقشب، ذكره باهر، وخصمه عاثر، وفناؤه رحاب، وداعيه مجاب، قلت: فصف لى نفسك، فقَالَ: ليث أَبُو ريابل، ركاب معاضل، عساف مجاهل، حمال أعباء نهاض ببزلاء قوله: ينضى: يهزل، والنضو: المهزول.
والوهم: الضخم العظيم من الإبل، قَالَ ذو الرمة
كأنها جمل وهم وما بقيت إلاالنحيزة والألواح والعصب
ويصد: يكف.
الدهم: العدد الكثير.
ويفري: يشق، ويقَالَ: فريت الشىء إذا شققته للإصلاح، وأفريته إذا قطعته للإفساد.
ويعل: يوردها الدماء ثانية، مأخوذ من العلل فِي الشرب.
والمجرجم: المصروع.
والجذل: أصل الشجرة، وذلك أن الإبل الجرب تحتك بِهِ فتجد لَهُ لذة، وإنما قَالَ: جذل حكاك، أى أنه ممن يستشفى بِهِ فِي الأمور بمنزلة ذاك الجذل الَّذِي يستشفى بِهِ الإبل.
والمدره: لسان القوم، والمتكلم عَنْهُمْ والدافع عَنْهُمْ، يُقَال: درهته عنى ودرأته عني: دفعته
والتدرأ مثل المدره.
واللكاك: الزحام، يُقَال: التك القوم عَلَى الماء إذا ازدحموا.
والمحرب: المغضب الَّذِي قد اشتد غضبه واحتد، وحربت السكين إذا أحددته.
ومقشب: مخلوط.
وباهر: غالب.
وريابل جمع ريبال، وهو الأسد.
: روينا: الريابل فِي هذا الخبر غير مهموز، وروينا فِي الغريب المصنف: الريابل واحدها ريبال يهمز ولا يهمز.
والمعاضل: الدواهى.
والعساف: الَّذِي يركب الطريق عَلَى غير هداية.
والأعباء: الأثقَالَ، واحدها عبء.
والبزلاء: الرأي الجيد الَّذِي يبزل عَنِ الصواب، أى الَّذِي يشق عَنْهُ، قَالَ الراعى: من رأي ذي بدواتٍ لا تزال لَهُ بزلاء يعيا بها الجثامة اللبد
وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه نفطويه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بْن يحيى النحوى، قَالَ: قدم علينا أعرابى فسمع غناء حمائم بستان إِبْرَاهِيم بْن المهدى، فاشتاق إِلَى وطنه فقَالَ:
أشقاقتك البوارق والجنوبومن علوى الرياح لها هبوب
أتتك بنفحة من شيح نجدتضوع والعرار بها مشوب
وشمت البارقات فقلت جيدتحبال البشر أو مطر القليب
ومن بستان إِبْرَاهِيم غنتحمائم بينها فنن رطيب
فقلت لها وقيت سهام رامٍورقط الريش مطعمها الجنوب
كما هيجت ذا حزنٍ غريباعَلَى أشجانه فبكى الغريب
وأنشدنا أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أنشدني عمي، عَنِ ابن الكلبى لحجية بْن المضرب، يمدح يعفر بن زرعة، أحد الملوك أملوك درمان:
إذا كنت سألاً عَنِ المجد والعلاوأين العطاء الجزل والنائل الغمر
فنقب عَنِ الأملوك واهتف بيعفروعش جار ظلٍ لا يغالبه الدهر
أولئك قوم شيد اللَّه فخرهمفما فوقه فخر وإن عظم الفخر
أناس إذا ما الدهر أظلم وجههفأيديهم بيض وأوجههم زهر
يصونون أحسابا ومجدا مؤثلاببذل أكف دونها المزن والبحر
سموا فِي المعالى رتبةً فوق رتبةٍأحلتهم حيث النعائم والنسر
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلتلنورهم الشمس المنيرة والبدر
فلو لامس لهم الصخر الأصم أكفهملفضت ينابيع الندى ذَلِكَ الصخر
ولو كَانَ فِي الأرض البسيطة منهملمختبط عاف لما عرف الفقر
شكرت لكم آلاءكم وبلاءكموما ضاع معروف يكافئه شكر
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أملى علينا أَبُو العباس بْن يحيى النحوى، أو قرأ الشك من أَبِي عَلَى، عَلَى باب داره، ثم أنشدناه فِي المسجد الجامع يقرؤه عَلَى عَبْد اللَّه بن المعتز، قَالَ: أنشدنى بعض أصحابنا، عَنِ النضر بْن جرير، عَنِ الأصمعى: سقى دمنتين لَيْسَ لي بهما عهد بحيت التقى الدارات والجرع الكبد
فيا ربوة الربعين حييت ربوةًعَلَى النأى منا واستهل بك الرعد
قضيت الغوانى غير ان مودةلذلفاء ما قضيت آخرها بعد
إذا ورد المسواك ظمآن بالضحىعوارض منها ظل يخصره البرد
وألين من مس الرخامات يلتقىبمارنه الجادى والعنبر الورد
فرى نائبات الدهر بينى وبينهاوصرف الليالى مثل ما فرى البرد
فإن تدعي نجدا ندعه ومن بِهِوإن تسكنى نجداً فيا حبذا نجد
وإن كَانَ يوم الوعد أدنى لقائنافلا تعذليني أن أقول متى الوعد
وأنشدنا أَبُو عَبْد اللَّه نفطويه، قَالَ: أنشدنا أحمد بْن يحيى، لأبى الهندى، وهو من بنى رياح:
قل للسرى أَبِي قيس أتهجرناودارنا أصبحت من داركم صددا
أَبَا الوليد أما والله لو عملتفيك الشمول لما فارقتها أبدا
ولا نسيت حمياها ولذتهاولا عدلت بها مالا ولا ولدا
وحَدَّثَنِي جحظة، قَالَ: حَدَّثَنِي حماد بْن إِسْحَاق الموصلى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: كتبت إِلَى زهراء الأعرابية، وقد غابت عني كتابا فِيهِ:
وجدي بجملٍ عَلَى أنى أجمجمهوجد السقيم ببرء بعد إدناف
أو وجد ثكلي أصاب الموت واخدهاأو وجد منشعب من بين آلاف
فكتبت إليها:
أما أويت لمن قد بات مكتئبايذرى مدامعه سحا وتوكافا
اقر السلام عَلَى الزهراء إذ شحطتوقل لها قد أذقت القلب ما خافا
فما وجدت عَلَى إلف أفارقهوجدي عليك وقد فارقت ألافا
وأنشدنا الأخفش:
أقول لصاحبى بأرض نجدٍوجد مسيرنا ودنا الطروق
أرى قلبى سينقطع اشتياقاوأحزانا وما انقطع الطريق
وأنشدنا جحظة، عَنْ حماد، عَنْ أبِيهِ:
طربت إِلَى الأصيبية الصغاروهاجك منهم قرب المزار
وأبرح ما يكون الشوق يوماإذا دنت الديار من الديار
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْر لطفيل الغنوى:
أناس إذا ما أنكر الكلب أهلهحموا جارهم من كل شنعاء مضلع
قَالَ: ويروى: مفظع.
قوله أنكر الكلب أهله، أى إذا لبسوا السلاح وتقنعوا لم يعرف الكلب أهله
وحَدَّثَنِي بعض شيوخنا أن ابن حبيب قَالَ: إذا ما غزوا فصار معهم أعدائهم فِي ديارهم فتواثبوا
أنكرهم الكلب إذ ذاك لتغيرهم عَنْ حالهم والشنعاء: الداهية المشهورة.
ومضلع: شديدة، يُقَال: أضلعنى الأمر إذا اشتد عَلَى وغلبنى
وقرأت عَلَى أَبِي عَبْد اللَّه لذى الرمة:
إذا نتجت منها المهارى تشابهتعَلَى العوذ إلا بالأنوف سلائله
العوذ: الحديثات النتاج، واحدها عائذ، وإنما قِيلَ لأن ولدها أن يكون هُوَ عائذا بها، ولكنه لما كانت متعطفة عَلَيْهِ قِيلَ لها: عائذ، يَقُولُ: تشابه عليها أولادها إلا أن تشمها بأنوفها، وذلك أنها من نجارٍ واحد وفحلٍ واحد، وقد تقاربت فِي الوضع فهى تشبه بعضها بعضاً.
والسلائل: الأولاد، واحدها سليل
وَحَدَّثَنَا أَبُو المياس الراوية، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن عُبَيْد، عَنْ بعض شيوخه، قَالَ: كانت ويمة فِي قريش تولى أمرها مقاس الفقعسى، فأجلس عمارة الكلبى فوق هشام بْن عَبْد الملك، فأحفظه ذَلِكَ وآلى عَلَى نفسه أنّهُ متى أفضت الخلافة إلَيْهِ عاقبه، فلما جلس فِي الخلافة أمر أن يؤتى بِهِ وتقلع أضراسه وأظفار يديه ففعل ذَلِكَ بِهِ، فأنشأ يَقُولُ:
عذبونى بعذابٍ قلعوا جوهر راسىثم زادونى عذابا نزعوا عنى طساسى
بالمدى حزز لحمى وبأطراف المواسي
قَالَ أَبُو العباس، قَالَ لى أَبُو المياس: الطساس: الأظفار، ولم أر أحداً من أصحابنا يعرفه، ثم أَخْبَرَنِي رَجُل من أهل اليمن قَالَ: يُقَال عندنا: طسه إذا تناوله بأطراف أصابعه
وأنشدنا أَبُو المياس وكان من أروى الناس للرجز، وهو من أهل سر من رأى لدكين بْن رجاء الراجز:
لم أر بؤسا مثل هذا العامأرهنت فِيهِ للشقا خيتامي
وحق فخرى وبنى أعمامىما فِي القروف حفتنا حتام
قَالَ أَبُو العباس: أرهنت ورهنت جميعا يقالان.
قَالَ: ويقَالَ خاتم وخاتام وخيتام وخاتم.
وقَالَ أَبُو المياس: القروف: الجراب وأحسبه غلطا، إنما هُوَ القروف جمع قرف، وهو الجراب.
والحتام البقية من كل شيء.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع