من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب حديث النسوة اللاتي أشرن عَلَى بنت الملك بالتزوج ووصفن لها محاسن الزوج وشرح غريب ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، قَالَ: كان قيل من أقيال حمير منع الولد دهراً، ثم ولدت له بنت فبنى لها قصرا منيفا بعيدا من الناس، ووكل بها نساء من بنات الأقيال يخدمنها، ويؤدبنها حتى بلغت مبلغ النساء، فنشأت أحسن منشأ وأتمه فِي عقلها وكمالها، فلما مات أبوها ملكها أهل مخلافها، فاصطنعت النسوة اللواتى ربينها وأحسنت إليهن، وكانت تشاورهن ولا تقطع أمرا دونهن، فقلن لها يوماً: يا بنت الكرام، لو تزوجت لتم لك الملك، فقَالَت: وما الزوج؟ فقَالَت إحداهن: الزوج عز من الشدائد، وفى الخطوب مساعد، إن غضبت عطف، وإن مرضت لطف، قَالَت: نعم الشىء هذا! فقَالَت الثانية: الزوج شعارى حين أصرد، ومتكئي حين أرقد، وأنسى حين أفرد، فقَالَت: إن هذا لمن كمال طيب العيش.
فقَالَت الثالثة: الزوج لما عنانى كاف، ولما شفنى شاف، يكيفني فقد الآلاف، ريقه كالشهد، وعناقه كالخلد، لا يمل قرانه، ولا يخاف حرانه، فقَالَت: أمهلننى أنظر فيما قلتن، فاحتجبت عنهن سبعا ثم دعتهن فقَالَت: قد نظرت فيما قلتن فوجدتنى أملكه رقى، وأبثه باطلي وحقي، فإن كان محمود الخلائق، مأمون البوائق، فقد أدركت بغيتى، وإن كان غير ذلك فقد طالت شقوتى، عَلَى أنه لا ينبغى إلا أن يكون كفئاً كريما يسود عشيرته، ويرب فصيلته، لا أتقنع به عارا فِي حياتى، ولا أرفع به شناراً لقومى بعد وفاتي فعليكنه فابغينه وترفقن فِي الأحياء، فأيتكن أتتنى بما أحب فلها أجزل الحباء، وعلي لها الوفاء، فخرجن فيما وجَّهتُهن له، وكن بنات مقاول ذوات عقل ورأى، فجاءتها إحداهن وهى عمرطة بنت زرعة بن ذى خنفر فقَالَت: قد أصبت البغية، فقَالَت: صفية ولا تسميه.
فقَالَت: غيث فِي المحل، ثمال فِي الأزل، مفيد مبيد، يصلح النائر، وينعش العاثر، ويغمر الندى، ويقتاد الأبى، عرضه وافر، وحسبه باهر، غض الشباب، طاهر الأثواب.
قَالَت: ومن هو؟ قَالَت: سبرة بن عوال بن شداد بن الهمال.
ثم خلت بالثانية، فقَالَت: أصبت من بغيتك شيئا؟ قَالَت: نعم، قَالَت: صفيه ولا تسميه.
قَالَت: مصامص النسب، كريم الحسب، كامل الأدب، غزيز العطايا، مألوف السجايا، مقتبل الشباب، خصيب الجناب، أمره ماض، وعشيره راض قَالَت: ومن هو؟ قَالَت: يعلى بن هزال بن ذى جدنٍ.
ثم خلت بالثالثة، فقَالَت: ما عندك؟
قَالَت: وجدته كثير الفوائد، عظيم المرافد، يعطى قبل السؤال، وينيل قبل أن يستنال، فِي العشيرة معظم، وفي الندي مكرم، جم الفواضل، كثير النوافل، بذال أموال محقق آمال، كريم أعمام وأخوال، قَالَت: ومن هو؟ رواحة بن خمير بن مضحى بن ذي هلاهلة، فاختارت يعلى بن هزال فتزوجته، فاحتجبت عَنْ نسائها شهرا ثم برزت لهن، فأجزلت لهن الحباء، وأعظمت لهن العطاء إسماعيل: المخلاف: الكورة.
وأرصد: أبرد.
ويرب: يجمع ويصلح.
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ لرجل يصف إبلا:
تربعت فِي حرضٍ وحمضجاءت تهض الأرض أي هض
يدفع عنها بعضها عَنْ بعضمثل العذارى شمن عين المغضى
تربعت: أقامت فِي الربيع.
والحرض: الأشنان.
والحمض: ما ملح من النبات.
وتهض: تدق.
وقوله: يدفع عنها بعضها عَنْ بعض، أي هي مستوية حسان كلها ليس فيها واحدة تبينها فتسبق إليها العين، ولكن إذا قيل: هذه أحسن، قيل: لا هذه، فيدفع بعضها عَنْ بعض العين أن تعينها.
وشمن: فتحن عين المغضي فينظر اليهن وهن مثل العذارى فِي الحسن
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، لسلمى بن ربيعة:
حلت تماضر غربةً فاحتلتفلجاً وأهلك باللوى فالحلة
فكان فِي العينين حب قرنفلأو سنبلاً كحلت به فانهلت
زعمت تماضر إننى إما أمتيسدد أبينوها الأصاغر خلتى
تربت يداك وهل رأيت لقومهمثلى عَلَى يسرى وحين تعلتى
رجلاً إذا ما النائبات غشينهأكفى لمضلعةٍ وإن هى جلت
ومناخ نازلة كفيت وفارسنهلت قناتى من مطاه وعلت
وإذا العذارى بالدخان تقنعتواستعجلت هزم القدور فملت
دارت بأرزاق العفاة مغالقبيدى من قمع العشار الجلة
ولقد رأيت ثأى العشيرة بينهاوكفيت جانبها اللتيا والتى
وصفحت عَنْ ذي جهلها ورفدتهاونصحي ولم تصب العشيرة زلتى
وكفيت مولاي الأجم جريرتيوحبست سأمتي عَلَى ذي الخلة
قَالَ: وروى عَنْ أبي يزيد: مولاي الأحم بالحاء.
: لمضلعة: أمر شديد تضلع صاحبها، أى تميله للوقوع.
والهزم: الصوت، يريد صوت الغليان.
والمغالق: يريد بها القداح التى يغلق بها الرهن.
والقمع: الأسنمة، واحدتها قمعة.
والعشار جمع عُشراء، وهى التي أتت عليها عشرة أشهر من حملها، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع وبعد ما تضع أياما.
والثأى: الفساد، وأصل ذلك الثأي فِي الخرز، وهو أن تنخرم الخرزتان فتصيرا واحدة، يُقَال: أثأيت الخرز إذا خزمته.
ورأبت: أصلحت.
والأجم: الذى لا رمح معه، وأما الأحم بالحاء: فالأقرب، والحميم: القريب.
والأعزل: الذى لا سلاح معه.
والأكشف: الذى لا ترس معه والأميل: الذى لا سيف معه، والأميل أيضاً: الذى لا يثبت عَلَى الخيل، قَالَ الأعشى:
غير ميل ولا عواوير فِيالهيجا ولا عزل ولا أكفال
: الميل جمع أميل.
والعواوير جمع عوار، وهو الجبان.
والعزل جمع أعزل.
والأكفال جمع كفل، وهو أيضاً الذى لا يثبت عَلَى الخيل مثل الأميل، غير أن الأميل الذى يميل إِلَى جانب، والكفل الذي يزول عَلَى متن فرس إِلَى كفله.
والخلة بالفتح: الحاجة، والخلة بالضم: الصداقة
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: أنشدني رجل من بني فزارة:
لا يبعد الله قوما إن سألتهمأعطوا وإن قلت يا قوم انصروا نصروا
وإن أصابتهم نعماء سابغةلم يبطروها وإن فاتتهم صبروا
الكاسرون عظاما لا جبور لهاوالجابرون فأعلى الناس من جبروا
فقلت: من يقول هذا؟ فقَالَ الذى يقول:
اذا نشرت نفسى تذكرت ما مضيوقومي إذ نحن الذرى والكواهل
واذ لي منهم جنة أتقى بهاوجرثومة فيها حفاظ ونائل
وإذ لا ترون العين عنا لبغيةولا يتخطانا المروع الموائل
ولا يجد الأضياف عنا محولااذا هب أرواح الشتاء الشمائل
إذ قيل أين المشتفى بدمائهمواين الروابى والفروع المعاقل
اشير الينا أو رأى الناس أننالهم جنة ان قَالَ بالحق قائل
فأصبحت مثل النسر تحت جناحهقوادم صارتها اليه الحبائل
فلو ان قومي أكرمونى وأتأقواسجالا به أسقي الذين أساجل
كففت الأذي ما عشت عَنْ حلمائهموناضلت عَنْ أعراضهم من يناضل
ولكن قومي عزهم سفهاؤهمعلى الرأى حتى ليس للرأي حامل
تظوهر قام بالعدوان واختبل بالغنيوشورك فِي الرأي الرجال الأماثل
ثم قام مغضبا متصاعرا كأن المحاجم عَلَى أخدعيه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم ولم يسنده:
تود عدوي ثم تزعم أننىصديقك ان الرأى عنك لعازب
وليس أخى من ودنى رأى عينهولكن أخي من ودنى وهو غاضب
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوى ثعلب:
أحب بلاد الله ما بين منعجالى وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها الشباب تمائميوأول أرض مس جلدي ترابها
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع