من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب ما قيل الشيب والخضاب مدحًا وذمًا
وأنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، لمحمود الوراق:
فاجاك من وفد المشيب نذيروالدهر من أخلاقه التغيير
فسواد رأسك والبياض كأنهليل تدب نجومه وتسير
وأنشدنى بعض أصحابنا قَالَ: أنشدنى أَبُو يعقوب بن الصفار لداود بن جهوة:
أقاسى البلا لا أستريح إِلَى غدٍفيأتى غد إلا بكيت عَلَى أمس
سأبكى بدمع أو دمٍ أشتفى بهفهل لى عذر إن بكيت عَلَى نفسي
سلام عَلَى الدنيا ولذة عيشهاسلام غدو أو رواح إِلَى رمسى
وأنكرت شمس الشيب فِي ليل لمتىلعمرى لليلى كان أحسن من شمسى
كأن الصبا والشيب يطمس نورهعروس أناسٍ مات فِي ليلة العرس
وأنشدنا أَبُو محمد عبد الله بن جعفر النحوى، قَالَ: أنشدنا المبرد لمحمود الوراق:
أليس عجيباً بأن الفتىيصاب ببعض الذى فِي يديه
فمن بين باكٍ له موجعٍوبين معز مغذ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشبابفليس يعزيه خلق عليه
وأنشدنا الأخفش للعكوك عَلَى بن جبلة:
جلال مشيبٍ نزلوأنس شبابٍ رحل
طوى صاحب صاحباكذاك اختلاف الدول
أعاذلتى أقصرىكفاك المشيب العذل
بدا بدلا بالشبابليت الشباب البدل
جلال ولكنهتحاماه حور المقل
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه لأبى دلف العجلى:
نظرت إِلَى بعين من لم يعدللما تمكن طرفها من مقتلى
لما تبسم بالمشيب مفارقىصدت صدود مفارقٍ متحمل
فجعلت أطلب وصلها بتعطفٍوالشيب يغمزها بأن لا تفعلى
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، رحمه الله تعالى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى:
أرى بصرى عَنْ كل يوم وليلة يكلوخطوى عَنْ مدى الخطو يقصر
ومن يصحب الأيام تسعين حجةًيغيرنه والدهر لا يتغير
لعمرى لئن أمسيت أمشى مقيدالما كنت أمشي مطلق القيد أكثر
وأنشدني بعض أصحابنا:
حنتنى حانيات الدهر حتىكأنى خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآنىولست مقيدا أنى بقيد
وقَالَ رجل لشيخ رآه يمشى: من قيدك يا شيخ؟ قَالَ: الذى خلفته يفتل فِي قيدك، يعنى الدهر
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ محمد بن السري السراج النحوي:
وعائب عابنى بشيبٍلم يعد لما ألم وقته
فقلت إذ عابنى بشيبىيا عائب الشيب لا بلغته
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا عبد الله بن خلف:
نصول الشيب طوقنى بطوقيلوح عَلَى من تحت السواد
إذا أبصرته فكأن وخزابأطراف الأسنة فِي فؤادى
قَالَ: وأنشدنا أبى قَالَ: أنشدنى أَبُو عبد الله بن المطيخى:
إن الكبير إذا تناهت سنهأعيت رياضته عَلَى الرواض
وإذا دفعت إِلَى الصغير فإنماتكفيه منك إشارة الإيماض
وعليك من نسج الزمان عمامةخضب المشيب سوادها بياض
فالوعظ ينبو عَنْ صفاتك راجعامثل السهام نبت عَنِ الأغراض
وممن مدح الشيب من الشعراء فأحسن دعبل حيث يقول:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنهسمة العفيف وحلية المتحرج
وكأن شيبى نظم در زاهرفِي تاج ذى ملكٍ أغر متوج
وممن مدح الخضاب عبد الله بن المعتز حيث يقول:
وقالوا النصول مشيب جديدفقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذافإن عاد هذا فهذا يعود
وأنشدني أَبُو معاذ عبدان المتطبب، قَالَ: أنشدنى أَبُو هفان لنفسه:
تعجبت در من شيبى فقلت لهالا تعجبى فبياض الصبح فِي السدف
وزادها عجباً أن رحت فِي سملٍوما درت در أن الدر فِي الصدف
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: عام أوطف وأغلف وأقلف إذا كان خصيبا، وقَالَ العقيليون: عام مجاعةٍ ومجوعة ومجوعة، وقَالَ أَبُو زيد: الأطرة: ما حول الأظفار من اللحم.
وقَالَ ابن الأعرابى: عيش أغرل وأرغل وأغضف وأغطف وأوطف وأغلف إذا كان مخصباً، وهذه كلها تُقَال فِي العام.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: أنشدنى أبى، لرجل من خزاعة:
قد كنت أفزع للبيضاء أبصرهامن شعر رأسى وقد أيقنت بالبلق
ألآن حين خضبت الرأس زايلنىما كنت التذ من عيشي ومن خافي
إن الشباب إذا ما الشيب حل بهكالغصن يصفر فيه ناعم الورق
شيب تغيبه عمن تغر بهكبيعك الثوب مطويا عَلَى حرق
فإن سترت مشيبا أو غررت بهفليس دهر أكلناه بمسترق
أفنى الشباب الذى أفنيت ميعتهمر الجديدين من آتٍ ومنطلق
لم يتركا منك فِي الطول اختلافهماشيئاً يخاف عليه لذعة الحرق
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع