من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب حديث يحيى بن طالب وشكايته ورحلته إِلَى بغداد ليسأل السلطان
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبى، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن سعيد، قَالَ: كان يحيي ابن طالب الحنفي شيخا كريما يقرى الأضياف ويطعم الطعام، فركبه الدين الفادح، فجلا عَنِ اليمامة إِلَى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد رجل من أهل اليمامة الشخوص من بغداد إِلَى اليمامة، فشيعه يحيى بن طالب، فلما جلس الرجل فِي الزورق ذرفت عينا يحيى وأنشأ يقول:
أحقاً عباد الله أن لست ناظراًإلى قرقرى يوماً وأعلامها الخضر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةدعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
أقول لموسى والدموع كأنهاجداول ماء فِي مساربها تجرى
ألا هل لشيخ وابن ستين حجةًبكى طرباً نحو اليمامة من عذر
كأن فؤادى كلما مر راكبجناح غراب رام نهضاً إِلَى وكر
يزهدنى فِي كل خيرٍ صنعتهإِلَى الناس ما جربت من قلة الشكر
فيا حزنا ماذا أجن من الهوىومن مضمر الشوق الدخيل إِلَى حجر
تعزبت عنها كارها فتركتهاوكان فراقيها أمر من الصبر
لعل الذى يقضى الأمور بعلمهسيصرفنى إليها يوما عَلَى قدر
فتفتر عين ما تمل من البكاويصحو قلب ما ينهنه بالزجر
قَالَ أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى: حجر: قصبة اليمامة.
قَالَ: فغنى هارون الرشيد بشعر يحيى بن طالب:
أيا أثلات القاع من بطن توضححنينى إِلَى أطلا لكن طويل
ويا أثلات القاع قد مل صحبتىمسيرى فهل فِي ظلكن مقيل
ويا أثلات القاع قلبى موكلبكن وجدوى خيركن قليل
ألا هل إِلَى شم الخزامى ونظرةٍإلى قرقرى قبل الممات سبيل
فأشرب من ماء الحجيلاء شربةًيداوى بها قبل الممات غليل
أحدث عنك النفس أن لست راجعاإليك فخزني فِي الفؤاد دخيل
أريد هبوطا نخوكم فيردنىإذا رمته دين عَلَى ثقيل
فقَالَ هارون الرشيد: يقضى دينه، فطلب فإذا هو ميت قبل ذلك هذا بشهر
وحَدَّثَنَا ابن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: اراد الفضل بن يحيى أو جعفر بن يحيى سفرا، فقَالَ: قاتل الله جميلا، ما أشعره حيث يقول:
لما دنا البين بين الحى واقتسمواحبل النوى فهو فِي أيديهم قطع
جادت بأدمعها ليلى وأعجلنىوشك الفراق فما أبقى وما أدع
يا قلب ويحك ما عيشى بذى سلمٍولا الزمان الذى قد مر مرتجع
أكلما بان حى لا تلائمهمولا يبالون أن يشتاق من فجعوا
علقتنى بهوى منهم فقد جعلتمن الفراق حصاة القلب تنصدع
وقرأت هذه الأبيات فِي شعر جميل عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، مكان فما أبقى، فما أبكى، ومكان عيشى، عيش، ومكان، بهوى منهم، بهوى مردٍ وقَالَ الأصمعى: من أمثالهم جاء يفرى الفرا ويقد، إذا جاء يعمل محكماً، ومثله جاء يفرى الفرى.
ويقَالَ: الحق أبلج والباطل لجلج، يراد أن الحق منكشف، والباطل ملتبس.
ويقَالَ: ماء ولا كصداء، مثل حمراء، بئر طيبة الماء جدا، وكان أَبُو العباس محمد بن يزيد، يقول: كصدآء عَلَى وزن صدعاء، يقول: هذا ماء ولا بأس به، وليس كصداء، يضرب مثلا لمن حمد بعض الحمد ويفضل عليه غيره.
ويقَالَ فتي ولا كمالك، مثله.
ومرعي ولا كالسعدان، مثله.
وأنشدنا ابن دريد، عَنْ عبد الرحمن، عَنْ عمه لرجل من بنى كلاب:
فلما قضينا غصة من حديثناوقد فاض من بعد الحديث المدامع
جرى بيننا منا رسيس يزيدناسقاما إذا ما استيقنته المسامع
كأن لم تجاورنا أمام ولم نقمبفيض الحمى إذ أنت بالعيش قانع
فهل مثل أيامٍ تسلفن بالحمىعوائد أو غيث الستارين واقع
فإن نسيم الريح من مدرج الصبالأوراب قلبٍ شفه الحب نافع
: الرس: شيء من الخبر، والرسيس مثله، قَالَ الأفوه الأودى:
بمهمه ما لأنيسٍ بهحس وما فيه له من رسيس
وقَالَ أَبُو زيد: رسوت عنه حديثا أرسوه رسواً حدثت عنه، وقَالَ غيره: رسست الحديث فِي نفسى ارسه رسا إذا حدثت به نفسك، قَالَ الأصمعى: رسست بين القوم: أصلحت بينهم.
والأوراب: واحدها ورب، وهو فساد يكون فِي القلب وفى غير ذلك، والعرب تقول: إنه لذو عرقٍ وربٍ، أى فاسد.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، عَنْ عبد الرحمن، عَنْ عمه، لرجل من بنى كلاب أيضاً:
تحن إِلَى الرمل اليمانى صبابةًوهذا لعمرى لو رضيت كثيب
فأين الأراك الدوح والسدر والغضا ومستخبر عمن تحب قريب
هناك تغنينا الحمام ونجتنىجنى اللهو يحلو لى لنا ويطيب
قَالَ أَبُو زيد: قَالَ الكلابيون سمعت سراً فما جايته: مثال جعيته، أى لم أكتمه، وفلان لا يجأى سراً، أى لا يكتمه، والمصدر الجأى والسقاء لا يجأى الماء، أى لا يحبسه، والراعي لا يجأى غنمه إذا لم يحفظها فتفرقت.
وفلان لا يحجو سراً: أى لا يكتمه، والمصدر الحجو، والسقاء لا يحجو الماء، أى لا يحبسه، والراعى لا يحجو غنمه: أى لا يحفظها.
قَالَ الأصمعى: يُقَال: طمح فِي السوم إذا استام بسلعته أكثر مما تساوى، وتشحى فِي السوم، وأبعط فِي السوم، وشحط فِي السوم، وذلك أن يتباعد.
قَالَ: ويقَالَ مصع الظبى ولألأ إذا حرك ذنبه.
ومثل من أمثالهم لا آتيك ما لألأت الفور والعفر، أى ما حركت أذنابها، أى لا آتيك أبداً، قَالَ: والأعفر: الأحمر من الظباء.
والفور: السود، وقَالَ لى أَبُو بَكْرِ بن دريد: قَالَ الأصمعى: الفور: الظباء لا واحد لها.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيي النحوي:
رفعنا الخموش عَنْ وجوه نسائناإلى نسوة منهم فأبدين مجلدا
قَالَ أَبُو العباس: الخموش: الخدوش، وهذا رجل قتل من قومه قتلى، فكان نساؤهم يخمشن وجوههن عليهم، فأصابوا بعد ذلك منهم قتلى، فصار نساء الآخرين يخمشن وجوههن عليهم.
يقول: لما قتلنا منهم قتلى بعد القتلى الذين كانوا قتلوا منا، حولنا الخموش عَنْ وجوه نسائنا إِلَى وجوه نسائهم.
قَالَ وهذا مثل قول عمرو بن معد يكرب.
عجبت نساء بنى زبيدٍ عجةًكعجيج نسوتنا غداة الأرنب
قَالَ أَبُو العباس: العجة: الصوت.
والأرنب: موضع.
والمجلد: جلدة تمسكها النائحة بيدها، وربما أشارت بها إِلَى وجهها كأنها تلطمه بها، وأنشد:
خرجن حريراتٍ وأبدين مجلداودارت عليهن المقرمة الصفر
قَالَ أَبُو العباس: حريرات: حارات الأجواف من الحزن.
وقوله: دارت عليهن المقرمة الصفر، يقول: سبين فأجليت عليهن القداح ليؤخذن أسهما، قَالَ ويروى: المكتبة الصفر: يعنى السهام التى عليها أسماء أصحابها مكتوبة، ولم يفسر أَبُو العباس مقرمة ولا أَبُو بَكْرٍ.
: وأنا أقول مقرمة: معضضة، وذلك أن الرجل كان يعلم قدحه بالعض.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع