تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

مطلب حديث خنافر الحميري مع رئيه شصار ودخوله فِي الإسلام بإرشاد رئية المذكور وشرح الغريب فِي هذه القصة

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عمى، عَنْ أبيه، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، قَالَ: كان خنافر بن التوءم الحميرى كاهنا، وكان قد أوتى بسطةً فِي الجسم، وسعةً فِي المال، وكان عاتيا، فلما وفدت وفود اليمن عَلَى النَّبِيّ ﷺ، وظهر الإسلام، أغار عَلَى إبل لمرادٍ فاكتسحها، وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر، فحالف جودان بن يحيى الفرضمى، وكان سيدا منيعا، ونزل بواد من أودية الشجر مخصبا كثير الشجر من الأيك والعرين.

قَالَ خنافر: وكان رئي فِي الجاهلية لا يكاد يتغيب عنى، فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة وساءنى ذلك، فبينا أنا ليلةً بذلك الوادى نائما إذ هوى العقاب، فقَالَ: خنافر، فقلت شصار؟ فقَالَ: اسمع أقل، قلت: قل أسمع، فقَالَ: عِهِ تغنم، لكل مدةٍ نهاية، وكل ذى أمد إِلَى غاية، قلت: أجل، فقَالَ: كل دولة إِلَى أجل، ثم يتاح لها حول، انتسخت النحل، ورجعت إِلَى حقائقها الملل، إنك سجير موصول، والنصح لك مبذول، وإنى آنست بأرض الشام، نفرا من آل العذام، حكاما عَلَى الحكام، يذبرون ذا رونق من الكلام، ليس بالشعر المؤلف، ولا السجع المتكلف، فاصغيت فزجرت، فعاودت فظلفت، فقلت بم تهينمون، وإلام تعتزون؟ قالوا: خطاب كبار، جاء من عند الملك الجبار، فاسمع يا شصار، عَنْ أصدق الأخبار، وأسلك أوضح الآثار، تنج من أوار النار، فقلت: وما هذا الكلام؟ فقالوا: فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مضر، من أهل المدر، ابتعث فظهر، فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألف بالآى الكبر، قلت: ومن هذا المبعوث من مضر؟ قَالَ: أحمد خير البشر، فإن آمنت أعطيت الشبر، وإن خالفت أصليت سقر، فآمنت يا خنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل كافر، وشايع كل مؤمن طاهر، إلا فهو الفراق، لا عَنْ تراق، قلت: من أين أبغى هذا الدين؟ قَالَ: من ذات الإحرين، والنفر اليمانين، أهل الماء والطين، قلت: أوضح، قَالَ: الحق بيثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل، فهناك أهل الطول والفضل، والمواساة والبذل، ثم املس عنى.

فبت مذعورا أراعى الصباح، فلما برق لي النور امتطيت راحلتى، وآذنت أعبدى، واحتملت بأهلى حتى وردت الجوف، فرددت الإبل عَلَى أربابها بحولها وسقابها،

وأقبلت أريد صنعاء، فأصبت بها معاذ بن جبل أميراً لرَسُول اللَّهِ ﷺ، فبايعته عَلَى الإسلام وعلمني سورًا من القرآن، فمن الله عَلَى بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة، وقلت فِي ذلك:

ألم تر أن الله عاد بفضلهفانقذ من لفح الزخيخ خنافرا
وكشف لى عَنْ حجمتى عماهماوأوضح لي نهجي وقد كان داثرا
دعانى شصار للتى لو رفضتهالأصليت جمرا من لظى الهوب واهرا
فأصبحت والإسلام حشو جوانحىوجانبت من أمسى عَنِ الحق نائرا
وكان مضلى من هديت برشدهفلله مغوٍ عاد بالرشد آمرا
نجوت بحمد الله من كل قحمةتؤرث هلكاً يوم شايعت شاصرا
وقد أمنتنى بعد ذاك يحابربما كنت أغشى المنديات يحابرا
فمن مبلغ فتيان قومى ألوكةبأنى من اقتال من كان كافرا
عليكم سواء القصد لا فل حدكمفقد أصبح الإسلام للكفر قاهرا

اكتسحها: كنسها، يُقَال: كسحت البيت وقممته وخمته وسفرته، كلها بمعنى واحد.

والمقمة والمخمة والمكسحة والمسفرة: كلها المكنسة.

والخمامة والسباطة والكساحة والقمامة والكبا مقصور: كل ما كنسته من البيت فألقيته من قماش وتراب.

والكباء ممدود: البخور، يُقَال: قد كبا ثوبه إذا بخره.

وفي رئي لغتان يُقَال: رئي وروئي وهو ما يتراءى للإنسان من الجن.

والحول: التحول.

والسجير: الصديق.

والشجير بالشين معجمه: الغريب، وقد قَالَ بعض اللغويين، يُقَال: السجير والشجير للصديق.

وينست: أبصرت، قَالَ الله ﷿: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.

والعذام: قبيلة من الجن كذا قَالَ أَبُو بَكْرٍِ.

ويقَالَ: ذبرت الكتاب إذا قرأته، وزبرته إذا كتبته، وقد قالوا ذبرته وزبرته بمعنى واحد إذا كتبته.

وظلفت: منعت، قَالَ الشاعر:

ألم أظلف عَنِ الشعراء عرضىكما ظلف الوسيقة بالكراع
للشاعر عوف بن عطية بن الخرع، اقرأ القصيدة

والأُوار: شدة الحر.

والشبر: الخير وحرك للسجع كما حركه العجاج لإقامة الشعر، قَالَ:

الحمد لله الذى أعطى الشبرموالى الخير إن المولى شكر

وقَالَ الأصمعى: جمع الحرة حرار وحرون وإحرون.

والنعل: المكان الغليظ من الحرة.

وآذنت: أعلمت.

والحول جمع حائل وهى الأنثى من أولاد الإبل.

والسقاب جمع سقب وهو الذكر.

وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الزخيخ بلغة أهل اليمن: النار.

والحجمتان: العينان بلغتهم، قَالَ شاعرهم، وأكل أمه الذئب:

فيا حجمتا بكى عَلَى أم واهبٍأكيلة قلوبٍ ببعض المذانب

والقلوب والقليب بلغتهم الذئب.

والهوب: النار بلغتهم.

والواهر: الساكن مع شدة الحر، وكل هذه الأحرف من لغتهم.

ونائر: نافر.

والقحمة: الشدة.

والأقتال: الأعداء، والأقتال: الأقران، واحدهم قتل.

: التفسير لأَبِي بَكْرٍ من قوله: والزخيخ بلغة أهل اليمن النار إِلَى قوله نائر.

وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو الحسن بن البراء، قَالَ: أنشدنى إبراهيم بن سهل، لقيس ابن ذريح.

قَالَ: والناس ينحلونها غيره وبعضهم يصححها له

وأنشدنا أبى، عَنْ أحمد بن عبيد، عَنْ أبى عمرو الشيبانى، عَنْ قيس المجنون:

سأصرم لبنى حبل وصلك مجملاًوإن كان صرم الحبل منك يروع
للشاعر قيس لبنى، من قصيدة «سَأُصْرِمُ ـ لُبْنَى ـ حَبْلَ وَصلِكِ مُجْمِلاً»
وسوف أسلى النفس عنك كما سلاعَنِ البلد النائي البعيد نزيغ
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «سأصرم لبنى هبل وصلك مجملا»
وإن مسنى للضر منك كآبةوإن نال جسمى للفراق خشوع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «سأصرم لبنى هبل وصلك مجملا»
سقي طلل الدار التى أنتم بهابشرقى لبنى صيف وربيع
يقولون صب النساء موكلوما ذاك من فعل الرجال بديع
مضى زمن والناس يستشفعون بىفهل لى إِلَى لبنى الغداة شفيع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «سأصرم لبنى هبل وصلك مجملا»
أيا حرجات الحى حيث تحملوابذى سلمٍ لا جادكن ربيع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «سأصرم لبنى هبل وصلك مجملا»
وخيماتك اللاتى بمنعرج اللوىبلين بلى لم تبلهن ربوع
للشاعر أسامة بن منقذ، من قصيدة «كعهدك بانات الحمى فوق كثبها»
إلى الله أشكو نيةً شقت العصاهى اليوم شتى وهى أمس جميع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا حرجات الحي حين تحملوا»
وما كاد قلبى بعد أيام جاوزتإلي بأجراع الثدي يريع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «سأصرم لبنى هبل وصلك مجملا»
فإن انهمال العين بالدمع كلماذكرتك وحدى خاليا لسريع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «سأصرم لبنى هبل وصلك مجملا»
فلو لم يهجني الظانون لهاجنىحمائم ورق فِي الديار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوىًنوائح ما تجرى لهن دموع
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمن دمنة بالجو جو جلاجل»
لعمرك إنى يوم جرعاء مالكٍلعاص لأمر المرشدين مضيع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك إني يوم جرعاء مالك»
ندمت عَلَى ما كان منى فقدتنىكما يندم المغبون حين يبيع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك إني يوم جرعاء مالك»
إذا ما لحانى العاذلات بحبهاأبت كبد مما أجن صديع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك إني يوم جرعاء مالك»
وكيف أطيع العاذلات وحبهايؤرقنى والعاذلات هجوع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك إني يوم جرعاء مالك»
عدمتك من نفس شعاعٍ فإننىنهيتك عَنْ هذا وأنت جميع
للشاعر قيس لبنى، من قصيدة «سَأُصْرِمُ ـ لُبْنَى ـ حَبْلَ وَصلِكِ مُجْمِلاً»
فقربت لى غير القريب وأشرقتهناك ثنايا مالهن طلوع
فضعفنى حبيك حتى كأننىمن الأهل والمال التلاد خليع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك إني يوم جرعاء مالك»
وحتى دعانى الناس أحمق مائقاوقالوا مطيع للضلال تبوع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك إني يوم جرعاء مالك»

قَالَ: وأنشدني أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، قَالَ: أنشدنا عبد الله بن خلف لقيس المجنون:

راحوا يصيدون الظباء وإننىلأرى تصيدها عَلَى حراما
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «راحوا يصيدون الظباء وإنني»
أشبهن منك سوالفاً ومدامعافأرى عَلَى لها بذاك ذماما
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «راحوا يصيدون الظباء وإنني»
أعزز عَلَى بأن أروع شبيههاأو أن يذقن عَلَى يدى حماما
للشاعر قيس لبنى، من قصيدة «راحوا يصيدون الظباءَ وإنني»

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيي، قَالَ: ذكرنا أعرابى رجلا فقَالَ: ماله لمج أمه، فرفعوا إِلَى السلطان، فقَالَ: إنما قلت: ملج أمه قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: قَالَ أَبُو العباس: لمجها: نكحها، وملجها: رضعها.

وقرأت عَلَى أبى عمرو، عَنْ أبى العباس، عَنِ ابن الأعرابى، قَالَ: اختصم شيخان غنوى وباهلى، فقَالَ أحدهما لصاحبه: الكاذب محج أمه، قَالَ الآخر: انظروا ما قَالَ لى: الكاذب محج أمه، أى جامع أمه، فقَالَ الغنوى: كذب ما قلت له هكذا، إنما قلت له: الكاذب ملج أمه يُقَال: ملج يملج، وملج يملج، ولمج يلمج إذا رضع.

يُقَال: محجها ومخجها ونخجها، وهو مأخوذ من قولهم: مخجت الدلو فِي البئر، إذا حركتها لتمتلئ ونخجتها أيضاً بالنون.

وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس، لمسكين بن عامر الحنظلى:

أصبحت عاذلتى معتلةًقرمت بل هى وحمى للصخب
أصبحت تتفل فِي شحم الذرىوتعد اللوم درا ينتهب
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أنا مسكين لمن يعرفني»
لا تلمها إنها من نسوةٍملحها موضوعة فوق الركب
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أنا مسكين لمن يعرفني»

قَالَ أَبُو العباس: الوحم: الشهوة عَلَى الحمل، فجعله هاهنا للصخب.

قَالَ أَبُو بَكْرٍِ، عَنْ أبى العباس، قوله: تتفل فِي شحم الذرى يعني أنها تتفل عَلَى بلي وتعوذها من العين لتعظمها فِي عيني قلا أهبها.

وتعد اللوم درا ينتهب، أي من حرصها عليه.

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.