من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب خطبة إسماعيل بن أبي الجهم بيد يدي هشام بن عبد الملك وما وقع بينهما من الحديث وشرح غريب ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قدم وفد عَلَى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك، وفيهم رجل من قريش يُقَال له: إسماعيل بن أبى الجهم، وكان أكبرهم سنا، وأفضلهم رأيا وحلما، فقام متوكئا عَلَى عصا وقَالَ: يا أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قَالَت فيك فأطنبت، وأثنت عليك فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لى فِي الكلام؟ قَالَ: تكلم، قَالَ: أفأوجز أم أطنب؟ قَالَ: بل أوجز، قَالَ: تولاك الله أمير المؤمنين بالحسنى، وزينك بالتقى، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لى حوائج أفاذكرها؟ قَالَ: نعم، قَالَ: كبرت سني، وضعفت قواى، واشتدت حاجتى، فإن رأي أمير المؤمنين أن يجير كسرى، وينفى فقرى، قَالَ: يا ابن أبى الجهم، ما يجبر كسرك وينفى فقرك؟ قَالَ: ألف دينار وألف دينار وألف دينار وألف قَالَ: هيهات يا بن أبى الجهم! بيت المال لا يحتمل هذا، قَالَ: كأنك آليت يا أمير المؤمنين أن لا تقضى لى حاجةً مقامى هذا، قَالَ: ألف دينار لماذا؟ قَالَ: أقضى بها دينا قد فدحنى حمله، وأرهقنى أهله، قَالَ: نعم المسلك أسلكتها، ديناً قضيت، وأمانةً أديت، قَالَ: وألف دينار لماذا؟ قَالَ: أزوج بها من أدرك من ولدي، فأشد بها عضدي، ويكثر بها عددى، قَالَ: ولا بأس، أغضضت طرفا، وحصنت فرجا، وأمرت نسلا، وألف دينار لماذا؟ قَالَ: أشترى بها أرضاً فأعود بفضلها عَلَى ولدى، وبفضل فضلها عَلَى ذوى قراباتى، قَالَ: ولا بأس، أردت ذخرا، ورجوت أجرا ووصلت رحما، قد أمرنا لك بها، فقَالَ: الله المحمود عَلَى ذلك، وجزراك الله يا أمير المؤمنين والرحم الخير.
فقَالَ هشام: تالله ما رأيت رجلا ألطف فِي سؤال، ولا أرفق فِي مقَالَ من هذا.
هكذا فليكن القرشى.
قَالَ أرهقنى: أعجلنى، ورهقنى: غشينى، يُقَال: رهق فلانا دين يرهقه إذا غشيه، ورهقت الكلاب الصيد إذا غشيته ولحقته، ورهقنى فلان، أي لحقني، ويقَالَ: فلان عطوف عَلَى المرهق، أى عَلَى المدرك، وأرهقت الرجل إذا أدركته، ويقَالَ: هو يعدو الرهقى، وهو أن يسرع حتى يكاد أن يرهق الذى يطلبه.
وفى فلان رهق إذا كان فيه غشيان للمحارم، قَالَ ابن أحمر:
كالكوكب الأزهر انشقت دجنتهفِي الناس لا رهق فيه ولا بخل
ويقَالَ إنه لمرهق إذا غشيه الأضياف والسؤال، قَالَ ابن هرمة:
خير الرجال المرهقون كماخير تلاع البلاد أكلؤها
وفلان يرهق فِي دينه إذا اثنى عليه قلة ورعٍ.
وأرهق القوم الصلاة إذا أخروها حتى يدنو وقت الأخرى.
قَالَ أَبُو زيد: أرهقته عسرا وإثما حتى رهقه رهقا.
غيره وراهق الغلام إذا قارب الاحتلام.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو سعيد عبد الله بن شبيب، قَالَ: أنشدنا إسماعيل بن أبى أويس، والزبير بن أَبِي بَكْرٍ، وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ومحمد بن طالوت الوادى، قَالَ: أنشدنى أبى، وقَالَ كل هؤلاء، أنشدنى لأبى صخر الهذلى يزيد، بعضهم عَلَى بعض.
: وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، هذه القصيدة لأبي صخر:
لليلى بذات الجيش دار عرفتهاوأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنهما ملآن لم يتغيراوقد مر للدارين من بغدنا عصر
وقفت برسميها فعى جوابهافقلت وعينى دمعها سرب همر
ألا أيها الركب المخبون هل لكمبساكن أجزاع الحمى بعدنا خبر
فقالوا طوينا ذاك ليلا فإن يكنبه بعض من تهوى فما شعر السفر
خليلى هل يستخبر الرمث والغضاوطلح الكدا من بطن مروان والسدر
قَالَ أَبُو العباس، قَالَ عبد الله بن شبيب، حدثتني أم المغوار الباهلية، قَالَت: كنت بفناء بيتي فِي السحر، فمر بنا ركب فتمثلت بهذا البيت:
ألا أيها الركب المخبون هل لكمبساكن أجزاع الحمى بعدنا خبر
فأجابنا غلام من صدر راحلته فقَالَ:
فقالوا طوينا ذاك ليلا فإن يكنبه بعض من تهوى فما شعر السفر
خليلى هل يستخبر الرمث والغضاوطلح الكدا من بطن مروان والسدر
هكذا أنشدناه أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، عَنْ أبي العباس، بفتح الكاف وقَالَ: هو اسم موضع.
: أحسبه أراد كداء فقصر للضرورة،
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد: كدى بضم الكاف وقَالَ: هو جمع كدية:
أما والذى أبكى واضحك والذىأمات وأحيا والذى أمره الأمر
لقد كنت آتيها وفى النفس هجرهابتاتا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلا أن أراها فجاءةفأبهت لا عرف لدى ولا نكر
وأنسى الذي كنت فيه هجرتهاكما قد تنسى لب شاربها الخمر
وما تركت لى من شداً أهتدى بهولا ضلع إلا وفى عظمها وقر
وقد تركتنى أغبط الوحش أن أرىأليفين منها لا يروعهما الذعر
ويمنعنى من بعض إنكار ظلمهاإذا ظلمت يوما وإن كان لى عذر
مخافة أنى قد علمت لئن بدالى الهجر منها ما عَلَى هجرها صبر
وأنى لا أدري إذا النفس أشرقتعَلَى هجرها ما يبلغن بى الهجر
قَالَ عبد الله بن شبيب، حَدَّثَنِي الزبير، قَالَ: لما أنشد أَبُو السائب هذا البيت قَالَ: الموت الأحمر، والله يا بن أخى ما دونه شىء:
أبى قلب إلا حبها عامريةًلها كنيةً عمرو وليس لها عمرو
تكاد يدى تندى إذا ما لمستهاوينبت فِي أطرافها الورق النضر
وإني لتعروني لذاكرك هزةكما انتقض العصفور بلله القطر
تمنيت من حبى علية أنناعَلَى رمثٍ فِي البحر ليس لنا وفر
علي دائم لا يعبر الفلك موجهومن دوننا الأهول واللجج الخضر
فنقضى هم النفس فِي غير رقبةويغرق من نخشى نميمته البحر
عجبت لسعى الدهر بينى وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
قَالَ أَبُو عبد الله: وأنشدنى أبن أبى أويس:
فيا حب ليلى قد بلغت بى المدىوزدت عَلَى ما ليس يبلغه الهجر
ويا حبها زدنى جوى كل ليلةويا سلوة الأيام موعدك الحشر
فليست عشيات الحمى برواجعلنا أبداً ما أبرم السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذى مضىتباركت ما تقدر يقع ولك الشكر
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: وزادنى أبى عَنْ أحمد بن عبيد:
هجرتك حتى قلت لا يعرف القلىوزرتك حتى قلت ليس له صبر
صدقت أنا الصب المصاب الذي بهتباريح حب خامر القلب أو السحر
فيا حبذا الأحياء ما دمت فيهمويا حبذا الأموات ما ضمك القبر
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع