من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب حديث معاوية مع عبد الله بن عبد الحجر بن عبد المدان وما دار بينهما من سؤال وجواب وشرح غريب ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّكَنُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: سَأَلَ مُعَاوِيَةُ، ﵀، بَعْدَ الاسْتِقَامَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْحَجَرِ بْنِ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَكَانَ عَبْدُ الْحَجَرِ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمَّاهُ: عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: " كَيْفَ عِلْمُكَ بِقَوْمِكَ؟ قَالَ: كَعِلْمِي بِنَفْسِي، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي مُرَادٍ؟ قَالَ: مُدْرِكُو الأَوْتَارِ، وَحُمَاةُ الذِّمَارِ، وَمُحْرِزُو الْخِطَارِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي النَّخَعِ؟ قَالَ: مَانِعُو السَّرْبِ، وَمُسْعِرُو الْحَرْبِ، وَكَاشِفُوا الْكَرْبِ.
وَمَا تَقُولُ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ؟ قَالَ: فَرَّاجُو اللِّكَاكِ، وَفُرْسَانُ الْعِرَاكِ، وَلِزَازُ الضِّكَاكِ، تَرَاكِ تَرَاكِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي سَعْدِ الْعَشِيرَةِ؟ قَالَ: مَانِعُو الضَّيْمِ، وَبَانُو الرَّيْمِ، وَشَافُّو الْغَيْمِ.
قَالَ: مَا تَقُولُ فِي جُعْفِيٍّ؟ قَالَ: فُرْسَانُ الصَّبَاحِ، وَمُعْلِمُو الرِّمَاحِ، وَمُبَارِزُو الرِّيَاحِ.
قَالَ: مَا تَقُولُ فِي بَنِي زَبَيْدٍ؟ قَالَ: كُمَاةٌ أَنْجَادٌ، سَادَاتٌ أَمْجَادٌ، وُقُرٌ عِنْدَ الذِّيَادِ، صُبُرٌ عِنْدَ الطِّرَادِ.
قَالَ: وَمَا تَقُولُ فِي جَنْبٍ؟ قَالَ: كُفَاةٌ يَمْنَعُونَ عَنِ الْحَرِيمِ، وَيَفْرُجُونَ عَنِ الْكَظِيمِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي صُدَاءٍ؟ قَالَ: سِمَامُ الأَعْدَاءِ، وَمَسَاعِيرُ الْهَيْجَاءِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي رَهَاءٍ؟ قَالَ: يُنَهْنِهُونَ عَادِيَةَ الْفَوَارِسِ، وَيَرِدُونَ الْمَوْتَ وَرْدَ الْخَوَامِسِ، قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِقَوْمِكَ " قال أبو علي:
كل ما حميته فهو ذمار.
والسرب: الإبل وما رعى من المال.
واللكاك: الزحام.
والضكاك: مثل اللكاك سواءً.
والريم: الدرجة، قَالَ أَبُو عمرو بن العلاء: أتيت دار قوم باليمين أسأل عَنْ رجل، فقَالَ لى رجل منهم: اسمك فِي الريم، أى اعل فِي الدرجة.
والريم: الزيادة، يُقَال: لى عليك ريم عَلَى كذا وكذا، قَالَ الشاعر:
فأقع كما أقعى أبوك عَلَى استهرأى أن ريما فوقه لا يعادله
والريم: القبر، قَالَ ملك بن الريب المازنى:
إذا مت فاعتادي القبور وسلمىعلى الريم أسقيت السحاب الغواديا
والريم: عظم يفضل إذا اقتسم القوم الجزور، وهذا قول الشيبانى، وأنشدنا غيره
فكنت كعظم الريم لم يدر جازرعَلَى أى بدأى مقسم اللحم يجعل
والغيم: العطش، وقَالَ لى أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى: إن النَّبِيّ ﷺ، قَالَ: نعوذ بالله من الأيمة والعيمة والغيمة والكزم والقرم.
وقَالَ: الأيمة: الخلو من النساء.
والعيمة: شهوة اللبن.
والغيمة: العطش.
وقَالَ: الكزم فيه قولان: يُقَال: فلان أكزم البنان إذا كان بخيلا، ويقَالَ: إن الكزم الأكل الشديد.
والقرم: شهوة اللحم.
والأمجاد: الأشراف.
وينهنهون: يكفون.
والكظيم: المكظوم، وهو الذى قد رد نفسه إِلَى جوفه.
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد بن معية:
إذا علون أربعا أربعا بأربعفِي جعجع موصية بجعجع
أنن أنان النفوس الوجع يعنى: الإبل علون أربعة أوظفة بأربع أذرع، وكأنه أنث عَلَى الكراع.
وأنن، من الأنين، يعنى: أنهن إذا بركن أنن، ومثله قول كعب بن زهير:
ثنت أربعاً منها عَلَى ظهر أربعفهن بمثنياتهن ثمان
ومثله قول هيت: تقبل بأربع وتدبر بثمان، يعنى: أنها تقبل بأربع عكنٍ، فإذا رأيتها من خلف رأيت لكل عكنة طرفين فصارت ثمانية.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ العتبى، قَالَ: أقام معاوية، ﵀، الخطباء لبيعه يزيد، فقامت المعدية فشققوا الكلام.
ثم قام رجل من حمير فقَالَ: لسنا إِلَى رعاء هذه الجمال، عليهم تشقيق
المقَالَ، وعلينا صدق الصيال، أما والله إنا لصبر تحت البوارق، مراقيل فِي ظل الخوافق، لا نسأم الضراس، ولا نشمئز من المراس، وإن واحدنا لألف، وألفنا كهف، فمن أبدي لنا صفحته، حططنا علاوته، ثم قام رجل ذى الكلاع فاشار إِلَى معاوية فقَالَ: هذا أمير المؤمنين، فإن مات فهذا، وأشار إِلَى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إِلَى السيف، ثم قَالَ:
معاوية الخليفة لا تمارىفإن تهلك فسائسنا يزيد
فمن غلب الشقاء عليه جهلاتحكم فِي مفارقه الحديد
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: أنشدنا الرياشى للعرجى:
وما أنس ملأ شياء لا أنس موقفالنا ولها بالسفح دون ثبير
ولا قولها وهنا قد بل جيبهاسوابق دمع لا يجف غزير
أأنت الذى خبرت أنك باكرغداة غدٍ أو راحل بهجير
فقلت يسير بعض شهرِ أغيبهوما بعض يوم غبته بيسير
أحين عصيت العازلين اليكمونازعت حبلى فِي هواك أميرى
وباعدنى فيك الأقارب كلهموباح بما يخفى اللسان ضميرى
وقلت لها قول امرئ شفه الهوىإليها ولو طال الزمان فقير
فما أنا شطت بك الدار أو نأتبى الدار عنكم فاعلمى بصبور
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، ﵀:
وما أنس ملأ شياء لا أنس قولهاوأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنهرهين بأيام الشهور الأطاول
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ أيضاً:
شيب أيام الفراق مفارقيوأنشزن نفسى فوق حيث تكون
وقد لان أيام اللوى ثم لم يكدمن العيش شىء بعدهن يلين
يقولون ما أبلاك والمال غامرعليك وضاحى الجلد منك كنين
فقلت لهم لا تعذلونى وانظرواإلى النازع المقصور كيف يكون
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشى، عَنْ بعض أصحابه، قَالَ: أَخْبَرَنِي رجل، قَالَ: أتيت المجنون فجلست إليه فِي ظل شجرة فقلت: ما أشعر قيساً! حيث يقول:
يبيت ويضحى كل يوم وليلةعلى منهج تبكى عليه القبائل
قتيل للبنى صدع الحب قلبهوفى الحب شغل للمحبين شاغل
فقَالَ: أنا أشعر منه حيث أقول:
سلبت عظامى لحمها فتركتهامعرقةً تضحى لديك وتخصر
وأخليتها من مخها فكأنهاقوارير فِي أجافها الريح تصفر
إذا سمعت ذكر الفراق تقطعتعلائقها مما تخاف وتحذر
خذي بيدي ثم انهض بى تبينىبى الضر إلا أنني أتستر
ويروي:
............... قعقعتمفاصلها من هول ما تنتظر
ثم مر فأجمز فِي الصحراء، فلما كان فِي اليوم الثانى أتيته فجلست فِي ذلك الموضع، فلما أحسست به قلت: ما أشعر قيسا! حيث يقول:
تباكر أم تروح غدا رواحاولن يستطيع مرتهن براحا
سقيم لا يصاب له دواءأصاب الحب مقتله فباحا
وعذبه الهوى حتى براهكبرى القين بالسفن القداحا
وكاد يذيقه جرع المناياولو سقاه ذلك لاستراح
فقَالَ: أنا أشعر منه حيث أقول وأنشدناها ابن الأنبارى، عَنْ أبيه، ولم ينسب إِلَى أحد، وفى الروايتين اختلاف وأنا أذكرهما إن شاء الله
وجد مغلوبٍ بصنعاء موثقٍبساقيه من ثقل الحديد كبول
قليل الموالى مستهام مروعله بعد نومات العشاء عويل
وروى ابن الأنبارى:
فما وَجْد مسجونٍ بصناعاء عضهبساقيه من صنع القيود كبول
قليل الموالى مستهام مروعله بعد نومات العشاء عويل
وروي ابن الأنبارى:
ضعيف الموالى مسلم بجريرةله بعد نومات العيون عويل
يقول له الحداد أنت معذبغداة غدٍ أو مسلم فقتيل
بأعظم منى روعةً يوم راعنىفراق حبيبٍ ما إليه سبيل
وروى ابن الأنبارى: بأوجع منى لوعةً:
غداة أسير القصد ثم يردنىعَنِ القصد لوعات الهوى فأميل
وروى ابن الأنبارى: غداة أريد القصد، وروي: ميلات الهوى فأميل.
ثم قام هاربا وتركنى، فعدت بعد ذلك مرارا فلم أراه، فأخبرت أنه قد مات.
وأنشد الأخفش:
أقول لمقلتي يوم التقيناوقد شرقت مآقيها بماء
خذن اليوم من نظرٍ بحظٍفسوف توكلين إِلَى البكاء
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، لابن أبى مرة المكى:
ساعة ولى شمت العاذلأذاك منه الفرج العاجل
لم أنس إذ ودعته والتقىذا البدن الناعم والناحل
كأنما جسمى عَلَى جسمهغصنان ذا غض وذا ذابل
يا رب ما أطيب ضمى لهإلى لولا أنه راحل
وأنشدنا أحمد بن يحيى، قَالَ: أنشدنا أبى، قَالَ: أنشدنا الجاحظ عمرو بن بحر:
أزف البين المبينقطع الشك اليقين
حنت العبس فأبكانى من العيس الحنين
لم أكن، لا كنت، أدرىأن ذا البين يكون
علمونى كيف أشتاقإذا خف القطين
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن شيب، قَالَ: أتيت الزبير لأودعه وأخرج من المدينة، فقَالَ لى: بلغنى أنك لما أتيت هشام بن إبراهيم لتودعه قَالَ: لا أودعك حتى أغنيك:
وأنا بكيت من الفراقفهل بكيت كما بكيت
ولطمت خدى خالياومرسته حتى اشتفيت
وعواذلى ينهيننىعمن هويت فما انتهيت
قَالَ الزبير: وأنا لا أودعك حتى أنشدك:
أزف البين المبينوجلا الشك اليقين
لم أكن لا كنت أدرى أن ذا البين يكونعلموني كيف أشتاق إذا خف القطين
وأنشدنا الأخفش، قَالَ: أنشدنا ابن المدبر للمجنون، وقَالَ لى: ما سمعت أغزل من هذين البيتين:
أمزمعة ليلى ببين ولم تمتكأنك عما قد أظلك غافل
ستعلم إن شطت بهم غربة النوىوزالوا بليلى أن قلبك زائل
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، عَنْ أبيه:
نحن غادون من غدٍ لافتراقوأرانى أموت قبل يكون
فلئن مت فاسترحت من البينلقد أحسنت إِلَى المنون
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: وأنشدنا أَبُو الحسن المظفر بن عبد الله:
ما يريد الفراق، لا كان، مناأشمت الله بالفراق التلاقى
لو وجدنا عَلَى الفراق سبيلالأذقنا الفراق طعم الفراق
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد لأعرابى، وغيره يقول: إنها لحبيب:
لو كان فِي البين إذ بانوا لهم دعةلكان بينهم من أعظم الضرر
فكيف والبين موصول به تعبتكلف البيد فِي الإدلاج والبكر
لو أن ما تبتلينى الحادثات بهيكون بالماء لم يشرب من الكدر
أو كان بالعيس ما بي يوم رحلتهمأعيت عَلَى السائق الحادي فلم تسر
كأن مطاياهم إذا وخدت يقعنفِي حر وجهي أو عَلَى بصري
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد للحسين بن مطير الأسدى، وفى نوادر ابن الأعرابى، وفى الروايتين زيادة ونقصان، وأنا آتى بهما إن شاء الله تعالى:
لقد كنت جلداً قبل أن توقد النوىعلي كبدي بارًا بطيئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرمتولكن شوقاً كل يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتىإذا قدمت أيامها وعهودها
فقد جعلت فِي حبة القلب والحشاعهاد الهوى تولى بشوق يعيدها
لمرتجة الأطراف هيف خصورهاعذاب ثناياها عجافٍ قيودها
بسودٍ نواصيها وحمرٍ أكفهاوصفرٍ تراقيها وبيضٍ خدودها
وروى ابن الأنبارى:
وصفر تراقيها وحمر أكفهاوسود نواصيها وبيض خدودها
مخصرة الأوساط زانت عقودهابأحسن مما زينتها عقودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنارفيف الخزامى بات طل يجودها
وفيهن مقلاق الوشاح كأنهامهاة بتربان طويل عقودها
يريد: موضع العقود، وهو العنق.
قَالَ: وقوله:
ولو تركت نار الهوى لتضرمت
أجود، لأنها تضرم وحدها، فكيف إذا زادها غيرها وأوقدها! وقرأت عليه لابن ميادة:
كأن فؤادى فِي يدٍ ضبثت بهمحاذرةً أن يقضب الحبل قاضبه
وأشفق من وشك الفراق وإننىأظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدرى أيغلبنى الهوىإذا جد جد البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوىفمثل الذى لاقيت يغلب صاحبه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيي النحوي:
قد قلت والعبراتتسفحها عَلَى الخد المآقي
حين انحدرت إِلَى الجزيرةوانقطعت عنِ العراق
وتخبطت أيدي الرفاقمهامه البيد الرقاق
يا بؤس من سل الزمانعليه سيفاً للفراق
وأنشدنا أيضا، قَالَ: أنشدنا أَبُو الحسن بن البراء، قَالَ: أنشدنى ابن غالب:
ذكر الحبيب حبيبه ففؤادهمثل الجناح من الصبابة يخفق
عمرا زمانا يكتمان هواهماوكلاهما بادى الهوى متشوق
حتى إذا اجتمعنا بأحسنألفةٍ ما منهما فِي وده متخلق
كر الزمان عليهما بفراقهوكذاك لم يزل الزمان يفرق
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ التاريخى، قَالَ: أنشدنى البحترى لنفسه:
الله رك فِي انطلاقكتلقاء شامك أو عراقك
لا تعذلني فِي مسيركيوم سرت ولم ألاقك
إنى خشيت مواقفاللبين تسفح غرب ماقك
وعلمت ما يلقي المتيمعند ضمك واعتناقك
وعلمت أن لقاءناسب اشتياقي واشتياقك
فتركت ذاك تعمداوخرجت أهرب من فراقك
وقرأ أَبُو غانم الكاتب عَلَى أبى عبد الله نفطويه فِي المسجد الجامع بالمدينة قبل الصلاة وأنا أسمع لتوبة بن الحمير:
قَالَت مخافة بيننا وبكت لهفالبين مبعوث عَلَى المتخوف
لو مات شىء من مخافة فرقةٍلأماتنى للبين طول تخوفى
ملأ الهوى قلبى فضقت بحملهحتى نطقت به بغير تكلف
وقرأ عليه:
راعك البين والمشوق يراعحين قالوا تشتت وانصداع
لست أنسى مقالها يوم ولتوقصارى المشيعين الوداع
وقرأ عليه:
بكيت دماً حتى القيامة والحشرولا زلت مغلوب العزيمة والصبر
أتظعن طوع النفس عمن تحبهوتبكي كما يبكي عَنْ صغر
أقم لا تسر والهم عنك بمعزلودمعك باقٍ فِي جفونك ما يجرى
وقرأ عليه أيضا:
عَنْ حبيبك ثم تبكىعليه فمن دعاك إِلَى الفراق
كأنك لم تذق للبين طعماًفتعلم أنه مر المذاق
أقم وأنعم بطول قرب منهولا تظعن فتكبت باشتياق
فما اعتاض المفارق من حبيبولو يعطى الشآم مع العراق
وقرأ عليه أيضاً:
تطوى المراحل عَنْ حبيبك دائباوتظل تبكيه بدمع ساجم
كذبتك نفسك لست من أهل الهوىتشكو الفراق وأنت عين الظالم
ألا أقمت ولو عَلَى جمر الغضىقلبت أو حد الحسام الصارم
أنشدنى جحظة بعض هذه الأبيات، وأنشدناها بتمامها الأخفش عَلَى بن سليمان لمسلم بن الوليد:
وإنى وإسماعيل يوم وداعهلكالغمد يوم الروع فارقه النصل
أما والحبالات الممرات بينناوسائل أدتها المودة والوصل
لما خنت عهدا من إخاء ولا نأىبذكرك نأى عَنْ ضميرى ولا شغل
وإنى فِي مالى وأهلى كأننىلنأيك لا مال لدى ولا أهل
يذكرينك الدين والفضل والحجاوقيل الخنا والحلم والعلم والجهل
فألقاك عَنْ مذمومها متنزهاوألقاك فِي محمودها ولك الفضل
وأحمد من أخلاقك البخل إنهبعرضك لا بالمال حاشا لك البخل
أمنتجعا مرواً بأثقَالَ همةٍدع الثقل واحمل حاجةً ما لها ثقل
ثناءً كعرف الطيب يهدى لأهلهوليس له إلا بني خالدٍ أهل
فإن أغش قوماً بعدهم أو أزورهمفكالوحش يستدنيه للقنص المحل
وروي جحظة: يدنيه من الأنس المحل
وأنشدنا بعض أصحابنا، قَالَ: أنشدنى عمرو بن بحر الجاحظ:
أنا أبكى خوف الفراق لأنىبالذى يفعل الفراق عليم
أنا مستيقن بأن مقامىومسير الحبيب لا يستقيم
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لجميل:
رحل الخليط جمالهم بسوادوحدا عَلَى أثر البخيلة حادى
ما إن شعرت ولا سمعت بينهمحتى سمعت به الغراب ينادى
لما رأيت البين قلت لصاحبىصدعت مصدعة القلوب فؤادى
بانوا وغودر فِي الديار ميتمكلف بذكرك يا بثينة صادى
وقَالَ أَبُو زيد: من أمثال العرب: تفزع من صوت الغراب وتفترس الأسد المشبم، وهو الذى قد شد فوه، وذلك أن امرأة افترست أسداً وسمعت صوت غراب ففزعت منه، يُقَال ذلك للذى يخاف اليسير من الأمور وهو جرئ عَلَى الجسيم.
ويقَالَ: كالمشترى القاصعاء باليربوع، يُقَال ذلك للذى يدع العين ويتبع الأثر ويختار ما لا ينبغى له.
ويقَالَ: روغى جعار وانظري أين المفر، يضرب مثلا للذى يهرب ولا يقدر أن يفلت صاحبه.
ويقَالَ: كلب اعتس خير من كلب ربض، يُقَال ذلك إذا طلب رجل الخير وقعد آخر فلم يطلب.
وقَالَ يعقوب بن السكيت: يُقَال: قطب يقطب قطوبا وهو قاطب، إذا جمع ما بين عينيه، واسم ذلك الموضع المقطب، ومنه قيل: الناس قاطبة، أى الناس جميع، ويقَالَ: قطب شرابه إذا مزجه فجمع بين الماء والشراب.
ويقَالَ: عبس يعبس عبوسا، وبسر يبسر بسورا.
ويقَالَ: رجل أبسل وباسل، أى كريه المنظر، ويقَالَ: تبسل فِي عينيه، أى كرهت مرآته، قَالَ أَبُو ذؤيب:
فكنت ذنوب البئر لما تبسلتوسربلت أكفانى ووسدت ساعدى
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: دهيت الرجل أدهاه دهيا، أي عبته واغتبته ونقصته.
ويقَالَ: نجهت الرجل أنجهه نجها، وجبهته أجبهه جبهاً، والاسم الجبيهة والنجه، والمعنى واحد، وهو استقبالك الرجل بما يكره، وهو ردك الرجل عَنْ حاجة طلبكها، وأنشد:
حييت عنا أيها الوجهولغيرك البغضاء والنجه
ويقَالَ: ندهت الإبل أندهها ندها، وهو سوق للإبل مجتمعة، والثلاث من الإبل تنده إِلَى ما بلغت، وإذا سيق البعير وحده فقد يقتاس له من النده، فيقَالَ: بعير مندوه، ويقَالَ: عند فلان ندهة من صامت أو ماشية، وندهة وهى العشرون من الغنم ونحوها، والمائة من الإبل أو قرابتها، ومن الصامت الألف أو نحوه.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع