تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

مطلب ما قَالَ الشعراء فِي البكاء ووصف الدموع

وحَدَّثَنَا أيضاً قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن شبيب، قَالَ: حَدَّثَنِي القروي، عَنْ موسى بن جعفر بن أبي كثير، قَالَ: كان المجنون لمّا أصابه ما أصابه يخرج فيأتي الشام فيقول: أين أرض بني عامر؟ فيقَالَ له: أين أنت عَنْ أرض بني عامر؟ عليك بنجم كذا وكذا، فينصرف حتى يأتي أرض بني عامر فيقف عند جبل لهم يُقَال له: التّوباذ، وينشد:

وأجهشت للتّوباذ حين رأيتهوكبر للرحمن رآني
فأذريت دمع العين لمّا رأيتهونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلت له أين الذين عهدتهمحواليك فِي أمن وخفض زمان
فقَالَ مضوا واستودعني بلادهمومن ذا الذي يبقى عَلَى الحدثان
وإني لأبكي اليوم من حذري غداًفراقك والحيان مجتمعان
سجالا وتهنانا ووبلا وديمةوسحا تسكابا وتنهملان

ثم يمضي حتى يأتي العراق فيقول مثل ذلك، ثم يأتي اليمن فيقول مثل ذلك

وأنشدنا أَبِي بَكْرِ بن الأنبارى، عَنْ أبيه، عَنْ أحمد بن عبيد، عَنْ أبي عمرو الشيباني، للمجنون:

ذد الدمع حتى يطعَنِ الحيّ إنمادموعك إن فاضت عليك دليل
كأنّ دموع العين يوم تحملواجمان عَلَى جيب القميص يسيل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ذد الدمع حتى يظعن الحي إنما»

وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى:

ومستنجد بالحزن دمعاً كأنهعلى الخدّ ممّا ليس يرقأ حائر
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
إذا ديمة منه استقلّت تهلكتأوائل أخرى ما لهنّ أواخر
ملا مقلتيه الدمع حتى كأنهلما انهّل من عينيه فِي الماء ناظر

وأنشدنا هذه الأبيات أَبُو محمد عبد الله بن جعفر بن دستوريه النحوي، عَنْ أبي العباس محمد بن يزيد الثّمالي، وقَالَ: قَالَ أَبُو العباس: هذه الأبيات أحسن ما قيل فِي الدموع، وزاد فِي آخرها بيتاً:

وينظر من بين الدموع بمقلةرمى الشّوق فِي إنسانها فهو ساهر

وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀:

نظرت كأنيّ من وراء زجاجةإلى الدار من ماء الصّبابة أنظر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
فعيناي طوراً تغرقان من البكافأعشى وحيناً تحسران فأبصر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

وأنشدني أَبُو عبد الله نفطويه، عَنْ أحمد بن يحيى، لذي الرمّة:

وما شنّتا خرقاء واهيتا الكليسقى بهما ساق ولمّا تبلّلا
بأضيع من عينيك للدمع كلّماتذكّرت ربعاً أو توهمت منزلا

وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍِ التاريخي، قَالَ: قَالَ بشار: ما زال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها منّا حتى قَالَ:

نزف البكاء دموع عينك فاستعرعيناً لغيرك دمعها مدرار
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «غضب الحبيب فهاج لي استعبار»
من ذا يعيرك عينه تبكي بهاأرأيت عيناً للبكاء تعار
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «غضب الحبيب فهاج لي استعبار»

وأنشدني أيضاً قَالَ: أنشدني البحتري لنفسه:

وقفنا والعيون مشعّلاتيغالب دمعها نظر كليل
نهته رقبة الواشين حتىتعلّق لا يغيض ولا يسيل
للشاعر البحتري، من قصيدة «بمثل لقائها شفي الغليل»

وأنشدني بعض أصحابنا لدعبل الخزاعي:

يا ربع أين توجّهت سلمىأمضت فمهجة نفسه أمضى
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
لا أبتغي سقي السحاب لهافِي مقلتي عوض من السّقيا

وأنشدني جحظة لنفسه:

ومن طاعتي إيّاه أمطر ناظريله حين يبدي لي برقا
كأنّ دموعي تبصر الوصايا هارباًفمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا

وكان أَبُو بَكْرِ بن دريد يستحسن قول أبي نواس فِي هذا المعنى:

لا جزى الله دمع عيني خيراوجزى الله كلّ خير لساني
نمّ دمعي فليس يكتم شيئاًورأيت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفأهطيّ فاستدلّوا عليه بالعنوان

وأنشدنا نفطويه لنفسه:

قلبي عليك أرقّ من خدّيكاوقواي أوهى من قوي جفنيكا
لم لا ترقّ لمن تعذّب نفسهظلماً ويعطفه هواه عليكا

وأنشدني أَبُو بَكْرٍِ لنفسه:

إن الذي أبقيت من جسمهيا متلف الصّبّ ولم يشعر
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «إن الذي أبقيت من جسمه»
صبابة لو أنها دمعةتجول فِي جفنك لم تقطر
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «إن الذي أبقيت من جسمه»

قَالَ الأصمعى: من أمثال العرب لا يعدم شقيّ مهراً، أي لا يعدم شقى عناء.

ويقَالَ لا تعدم الحسناء ذاماً، يراد لا يخلو الرجل من أن يكون به ما يعاب.

ويقَالَ: ليس عليك نسجه فاسحب وجرّ، يضرب مثلاً للرجل يفسد ما لم يتعنّ فيه.

ويقَالَ: الليل أخفى للويل، أي الستر أستر من المكاشفة.

ويقَالَ: قبل الرّماء تملأ الكنائن، يراد به: قبل وقوع الأمر يعدّ له.

وأنشدني أَبُو الميّاس، البيت الأول من هذين البيتين، فأنشدته أبا بكر بن دريد، فزادني البيت الثاني:

ولذّ كطعم الصّرخديّ تركتهبأرض العدا من خشية الحدثان
ومبد لي الشّحناء بيني وبينهدعوت وقد طال السّرى فدعاني

لذّ يعني النوم.

والصرخدي: العسل، قَالَ أَبُو المياس.

والعدا: الأعداء.

والحدثان: ما يحدث من الأمور.

وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ: اللذ: اللذيذ، يعني النوم.

والصّرخديّ: الخمر.

وقوله: ومبد لي الشحناء يعني كلباً.

وذلك أن الرجل إذا تحيّر فِي الليل فلم يدر أين البيوت نبح، فتسمعه الكلاب فتنبح، فيقصد أصواتها، وهذا الذي تقول له العرب: المستنبح.

ثم أنشدني:

ومستنبح بات الصدى يستتيههفتاه وجوز الليل مضطرب الكسر
رفعت له ناراً ثقوباً زنادهاتليح إِلَى الساري هلمّ إِلَى قدري
فلما أتى والبؤس رادف رحلهتلقّيته منّي بوجه أمرئ بشر
فقلت له أهل كأهل فلم يجربك الليل إلا للجميل من الأمر
وكادت تطير الشّول عرفان صوتهولم تمس إلا وهي خائفة العقر

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.