من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
خطبة بعض الأعراب فِي قومه وقد ولاه جعفر بن سليمان بعض مياههم
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: ولى جعفر بن سليمان أعرابياً بعض مياههم، فخطبهم يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قَالَ: أما بعد، فإن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار، فخذوا لمقركم من ممركم، ولا تهتكوا أستاركم.
عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم، قبل أن تحرج منها أبدانكم، ففيها حييتم، ولغيرها خلقتم، إن الرجل إذا
هلك، قَالَ الناس ما ترك، وقَالَت الملائكة ما قدم، فلله آباؤكم قدموا بعضاً، يكن لكم قرضاً، ولا تخلّفوا كلا، يكن عليكم كلا، أقول قول هذا وأستغفر الله لي ولكم
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قلت لأعرابي: ما تقول فِي المرء؟ قَالَ: ما عسى أن أقول فِي شيء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، أقلّ ما فيه أن يكون دربه للمغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب الفتنة
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن بن خضر، عَنْ حماد بن إسحاق الوصلي، قَالَ: سمعت أبي، يقول: قَالَ رجل من العجم لملكٍ كان فِي دهره: أوصيك بأربع خلال ترضي بهن ربك، وتصلح بهن رعيتك، لا يغرّنّك ارتقاء السهل إذا كان المنحني وعراً، ولا تعدنّ عدةً ليس فِي يديك وفاؤها.
واعلم أن لله نقماتٍ فكن عَلَى حذر.
واعلم أن للأعمال جزاءً فاتّقِ العواقب
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد قول الشاعر:
وعازبٍ قد علا التهويل جنبتهلا تنفع النعل فِي رقراقه الحافي
باكرته قبل أن تلغى عصافرهمستخفيا صاحي وغيره الخافي
عازب: بعيد لا يأتيه أحد.
والتهاويل: الألوان المختلفة من الحمرة والشقرة والصفرة.
والجنبة: ضرب من النبات.
وقوله: لا تنفع النعل، يقول: لا تنفعه النعل من كثرة نداه.
ورقراقه: ما ترقرق منه.
وتلغى: تصيح.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن أبي الأزهر، قَالَ: حَدَّثَنَا الزبير بن بكار، قَالَ: كان هارون الرشيد كثيراً ما يستنشد أبي لعبد الله بن مصعب:
وإني وإن أقصرت عَنْ غير بغضةٍلراعٍ لأسباب المودة حافظ
وما زال يدعوني إِلَى الصرم ما أرىفآبي وتثنيني عليك الحفائظ
وأنتظر الإقبال بالودّ منكموأصبر حتى أوجعتني المغايظ
وأنتظر العتبى وأغضي عَلَى القذىألاين طوراً مرةً وأغالظ
وجربت ما يسلى المحب عَنِ الصبافأقصرت والتجريب للمرء واعظ
وأنشدني أَبُو يعقوب ورّاق أَبِي بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أنشدني أحمد بن عبيد الجوهري، قَالَ: أنشدت لمخلد الموصلي:
أقول لنضوٍ أنفد السير نيهاًفلم يبق منها غير عظم مجلّد
خذي بي ابتلاك الله بالشوق والهوىوشاقك تحنان الحمام المغرد
فمرّت حذاراً خوف دعوة عاشقتشقّ بي الظلماء فِي كل فدفد
فلما ونت فِي السير ثنيت دعوتيفكانت لها سوطاً إِلَى صخوة الغد
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع