من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
حديث قس بن رفاعة مع الحارث بن أبي شمر الغساني
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عثمان، عَنِ التوزي، عَنْ أبي عبيدة، قَالَ: كان قيس بن رفاعة يفد سنة النعمان اللخمي بالعراق، وسنةً إِلَى الحارث بن أبي شمر الغساني بالشام، فقَالَ له يوماً وهو عنده: يا بن رفاعة، بلغني أنك تفضل النعمان عَلَى، قَالَ: وكيف أفضله عليك أبيت اللعن! فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك
أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من نداه، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك أغزر من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهوره، ولشهرك أمد من حوله، ولحولك خير من حقبه، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك لمن غسان أرباب الملوك، وإنه لمن لخمٍ كثير النوك، فكيف أفضله عليك!
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوي، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن شبيب، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن عبد الله الزهري، قَالَ: قَالَ معاوية: لقد وضعت رجلي فِي الركاب يوم صفين غير مرة، فما يمنعني من الانهزام إلا أبيات ابن الإطنابة:
أبت لي عفتي وأبى بلائيوأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإعطائي عَلَى الإعدام ماليوضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشترويدك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عَنْ مآثر صالحاتٍوأحمي بعد عَنْ عرضٍ صحيح
المشيح: المبادر المنكمش، ويقَالَ: بطل مشيح، أي حامل، وقَالَ الأصمعي: شايحت فِي لغة تميم وقيس: حاذرت، فِي لغة هذيل: جددت الأمر.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، عَنْ أبي حاتم، عَنْ أبي زيد، عَنِ المفضل الضبيّ، قَالَ: كنت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن صاحب أبي جعفر فِي اليوم الذي قتل فيه، فلما رأى البياض يقل والسواد يكثر قَالَ لي: يا مفضل، أنشدني شيئاً يهوّن عَلَى بعض ما أرى، فأنشدته:
ألا أيها الناهي فزارة بعدماأجدت لغزو إنما أنت حالم
أرى كل ذي تبلٍ يبيت بهمهويمنع منه النوم إذ أنت نائم
قعوا وقعةً من يحي لم يخز بعدهاوإن يخترم لم تتبعه الملاوم
قَالَ: فرأيته يتطالل عَلَى سرجه، ثم حمل حملة كانت آخر العهد به
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه، لأبى سعيد المخزومي:
من لي واللهو والغزلهيهات ما فات من أيامك الأول
طوى الجديدان ما قد كنت أنشرهوأنكرتني ذوات الأعين النّجل
وقد نهاني النهي عنها وأدبنيفلست أبكي عَلَى رسمٍ ولا طلل
مالي وللدمنة البوغاء أندبهاوللمنازل من خوفٍ ومن ملل
متى ينال الفتى اليقظان همتهإذ المقام بدار اللهو والغزل
فِي الخيل والخافقات السود لبرد الصبالي شغلٌ ليس الصبابة والصهباء من شغلي
ما كان لي أمل فِي غير مكرمةوالنفس مقرونة بالحرص والأمل
ذنبي إِلَى الخيل كرى فِي جوانبهاإذا مشى الليث فيها مشى مختبل
ولي من الفيلق الجاواء غمرتهاإذا تقحّمها الأبطال بالحيل
كم جأنبٍ خشنٍ صبّحت عارضهبعارضٍ للمنايا مسبل هطل
وغمرةٍ خضت أعلاها وأسفلهابالضرب والطعن بين البيض والأسل
سل الجرادة عني يوم تحملنيهل فاتني بطلٌ أو خمت عَنْ بطل
وهل شآني إِلَى الغايات سابقهاوهل فزعت إِلَى غير القنا الذبل
ما لي أرى ذمتي يستمطرون دميألست أولاهم بالقول والعمل
كيف السبيل إِلَى وردٍ خبعثنةطلائع الموت فِي أنيابه العصل
وما يريدون لولا الحين منأسدٍ بالليل مشتملٍ بالجمر مكتحل
لا يشرب الماء إلا من قليبدمٍ ولا يبيت له جارٌ عَلَى وجل
لولا الإمام ولولا حق طاعتهلقد شربت دما أحلى من العسل
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، للفند الزماني واسمه شهل بن شيبان:
صفحنا عَنْ بني ذهلٍوقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعنقوماً كالذي كانوا
فلما صرّح الشرّفأمسى وهو عريان
ولم يبقي سوى العدواندناهم كما دانوا
مشينا مشية الليث غداوالليث غضبان
يروي عدا وغدا والغين، ويروى شددنا شدة الليث فمن روى شددنا فالأجود عدا بالعين غير المعجمة، ومن روى مشينا.
فالأجود غدا بالغين المعجمة بضربٍ فيه توهينٌ وتخضيعٌ وإقران
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، عَنْ أبيه، عَنْ أبي رستم، مستملي يعقوب هذا البيت:
بضرب فيه تأييمٌ وتفجيعٌ وإرنانوطعنٍ كفم الزق غدا والزق ملآن
وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسانوبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان
وقرأت عليه لأبي الغول الطهوي وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه إِلَى آخر بيت فيه: فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدّقوا فيهم ظنوني فوارس لا يملون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون ولا يجزون من حسن يسئ ولا يجزون من غلط بلين ولا تبلى بسالتهم وإن هم صلوا بالحرب حيناً بعد حين هم منعوا حمى الوقبى بضرب يؤلف بين أشتات المنون
فنكب عنهم درء الأعادي وداووا بالجنون من الجنون ولا يرعون أكناف الهويني إذا حلّوا ولا روض الهدون
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: رأيت رجلاً بالجفر من بني العنبر به لوثة بل هوج ظاهر أحفظ خلق الله للشعر.
وكان إذا قَالَ له قائل: أنشدنا، تمر له وشتمه، وإذا أنشد وحدّث اندفق منه ثبج بحر مع فصاحة وحسن إنشاد، فأنشدني يوماً من غير أن أستنشده: فدت نفسي وما ملكت يميني الأبيات كلها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ عَنْ أبي حاتم قَالَ: لم يرث أحد قتيلا قتله قومه إلا قيس بن زهير، فإنه رثى حذيفة بن بدر وبنو عبس تولت قتله:
ألم تري أن خير الناس أضحىعَلَى جفر الهباءة ما يريم
ولولا بغيه ما زلت أبكىعليه الدهر ما بدت النجوم
ولكنّ الفتى حمل بن بدرٍ بغىوالبغي مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ عَلَى قوميوقد يستجهل الرجل الحليم
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع