من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
حديث الجارية التي اشتراها أَبُو السمراء لعبد الله بن طاهر
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن عَلَى المديني، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفضل الرَّبعي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السمراء، قَالَ: دخلت منزل نخَّاس فِي شراء جارية فسمعت فربيت بإزاء البيت الذي كنت فيه صوت جارية وهي تقول:
وكنا كزوجٍ من قطّا فِي مفازةلدى خفض عيشٍ معجبٍ مونقٍ رغد
أصابهما ريب الزمان فأفرداولم نر شيئاً قطُّ أوحش من فرد
فقلت للنَّخَّاس: اعرض عَلَى هذه الجارية المنشدة، فقَالَ: إنها شعثة مرهاء حزينة، فقلت: ولمَ ذلك؟ قَالَ: اشتريتها من ميراث فهي باكية عَلَى مولاها، ثم لم ألبث أن أنشدت:
وكنا كغضي بانة وسط روضةنشم جني الرَّوضات فِي عيشةٍ رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطعٌفيا فردةً باتت تحنّ إِلَى فرد
قَالَ أَبُو السمراء: فكتبت إِلَى عبد الله بن طاهر أخبره بخبرها، فكتب إِلَى أن ألقِ عليها هذا البيت فإن أجابت فاشترها ولو بخراج خرسان، والبيت:
بعيد وصلٍ قريب صدٍّجعلته منه لي ملاذا
قَالَ: فألقيته عليها، فقَالَت فِي سرعة:
وعاتبوه فذاب عشقاًومات وجداً فكان ماذا
قَالَ أَبُو السمراء: فاشتريتها بألف دينار وحملتها إليه فماتت فِي الطريق قبل أن تصل إليه، فكانت إحدى الحسرات إليه
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، لابن ميادة وهو الرمّاح بن الأبرد:
تبادر العضاه قبل الاشراقبمقنعاتٍ كقعاب الأوراق
المقنع: الفم الذي يكون عطف أسنانه إِلَى داخل الفم، وذلك القوي الذي يقطع به كل شيء، فإذا كان انصبابها إِلَى الخروج فهو أدفق وذلك ضعيف لا خير فيه.
والقِعاب: جمع قعب.
والأوراق جمع ورِقِ وهو الفضة، يريد: أنها أفتاء فأسنانها بيضٌ لم تقلح، أي لك تصفر.
: وقد رد ما ذكرناه، وهو قول الأصمعي، ابن الأعرابي، فقَالَ يقول:
بادرت العضاه برءوس ضخامكأنها قعاب ورق كبراً
وقَالَ: قد تكون قعاب الورق سودا.
: ويفسدها ما ذهب إليه قوله: كأنها قعاب الورق كبرا، لأن قعب القدح صغير فكيف يشبه رءوسها بالقعاب فِي الكبر.
فأما قوله: قد تكون قعاب الورق سوداً بمبطل لما قَالَ الأصمعي، لأن الورق لا يكون أسود إلا بتغير لونه بالإحراق، وما كانت العرب تعرف المحرق من الفضة، ومع هذا فلا نستعمل أحد قدحا من الفضة سوداء وحدها وإنما يجري السواد فِي البياض.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع