من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
سؤال بعض خلفاء بني أمية عَنْ أشعر الناس
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: حَدَّثَنِي عمارة بن عقيل، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي يعني عقيل بن بلال، قَالَ: سمعت أبي يعني بلال بن جرير، يقول: سمعت جريراً يقول: دخلت عَلَى بعض خلفاء بن أمية، فقَالَ: ألا تحَدَّثَنِي عَنِ الشعراء؟ فقلت: بلى، قَالَ: فمن أشعر الناس؟ قلت: ابن العشرين، يعني طرفة، قَالَ: فما تقول فِي ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت: كانا ينيران الشّعر ويسديانه، قَالَ: فما تقول فِي أمرئ القيس بن حجر؟ قلت: اتخذ الخبيث الشعر نعلين يطؤهما كيف شاء، قَالَ: فما تقول فِي ذي الرّمة؟ قلت: قدر من الشعر عَلَى ما لم يقدر عليه أحد، قَالَ: فما تقول فِي الأخطل؟ قلت: ما باح بما فِي صدره من الشّعر حتى مات، قَالَ: فما تقول فِي الفرزدق؟
قلت: بيده نبعة الشعر قابضاً عليها، قَالَ: فما أبقيت لنفسك شيئاً! قلت: بلى، والله يا أمير المؤمنين أنا مدينة الشعر التي يخرج منها ويعود إليها، ولأنا سبّحت الشعر تسبيحاً ما سبّحه أحد قبلي، قَالَ: وما التسبيح؟ قلت: نسبت فأطرفت، وهجوت فأرذيت، ومدحت فأسنيت، ورملت فأغزرت، ورجزت فأبحرت، فأنا قلت ضروباً من الشعر لم يقلها أحد قبلي: كذا أملى علينا أرذيت، وهو صحيح ومعناه أسقطت، لأنه هاجى فِي زمانه عدة من الشعراء فأسقطهم غير الفرزدق، والرذية: الساقطة من الإبل من الهزال أو من الإعياء.
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن شبيب، قَالَ: أنشدنا ابراهيم بن المنذر الحزامي:
فإنك لن ترى طرداً لحركإلصاقٍ به طرف الهوان
ولم تجلب مودةً ذي وفاءبمثل البر أو لطف اللّسان
قَالَ: وأنشدا أيضاً أَبُو العباس:
وجاءت للقتال بنو هليكفسحى يا سماء بغير قطر
قَالَ أَبُو العباس: هؤلاء قوم استعظم الشاعر مجيئهم للقتال وصغر شأنهم عنده فقَالَ: فسحى يا سماء بغير قطر، يعني: بدم لا بقطر.
قَالَ: وقرأت عَلَى أبي عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابى، قَالَ: يُقَال وشع فِي الجبل يشع وشوعاً، ووقل يقل وقولاً، وسند يسند سنوداً، وتوقّل وتوشّع إذا صعّد فِي الجبل، وأنشد لشيخ من بني منقذ:
ويلمّها لقحة شيخٍ قد نحلأبى جوارٍ دردقٍ مثل الحجل
حوساء فِي السهل وشوعٌ فِي الجبلفِي الصّيف حسيٌ وهي فِي المشتى وشل
الدردق: الصغار.
والحوساء: الشديدة الأكل.
وقوله: فِي الصيف لا ينقطع لبنها، وفي المشتى وشل، أي إذا انقطعت ألبان الإبل فلبنها يسيل كما يسيل الماء من أعلى الجبل، والوشل: ما يخرج بين الحجارة قليلاً قليلًا فشبه لبنها به.
قَالَ: وقرأت عليه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابي، قَالَ: يُقَال: دّبح ودّبخ، ودربح ودربخ، إذا ذلّ، قَالَ: والجدّ والجدة والجد والجدة والجد: وقَالَ: سيف باترٌ وبتور، وباضكُ وبضوكٌ أي قاطع، وقَالَ: لا يبضك الله يده
قَالَ وحَدَّثَنِي أَبُو يعقوب ورّاق أَبِي بَكْرِ بن دريد، وكان من أهل العلم، قَالَ أَخْبَرَنِي مسبح بن حاتم، قَالَ: أَخْبَرَنَا سليمان بن أبي شيخ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد الأموي، قَالَ: تزوج رجل من أهل تهامة امرأةً من أهل نجد فأخرجها إِلَى تهامة، فلما أصابها حرّها قَالَت: ما فعلت ريحٌ كانت تأتينا ونحن بنجد يُقَال لها الصّبا؟ قَالَ: يحبسها عنك هذان الجبلان، فأنشدت:
أيا جبلى نعمان بالله خلّيانسيم الصّبا يخلص إِلَى نسيمها
أجد بردها أو تشفِ مني حرارةًعَلَى كبدٍ لم يبقَ إلا صميمها
فإن الصبا ريحٌ إذا ما تنسّمتعَلَى نفس مهمومٍ تجلت همومها
قَالَ: وقرأت عَلَى أبى عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، لعلي بن الغديّر الغنوي:
فذو الرأي منّا مستقادٌ لأمرهوشاهدنا قاضٍ عَلَى من تغيّبا
إذا غضب المولى لهم غضب الحصىفلم ترى أثرى من حصاهم وأصلبا
أبى لي أنى لن أعير والدادنيّا ولم يذمم فعالي فأقصبا
ولم أنتسب يوماً سوى الأصل أبتغيبه مأكلا يدني بذل ومشربا
ولم تضرب الأرض العريضة فرجهاعَلَى بأسباب إذا رمت مذهبا
وهلك الفتى أن لا يراح إِلَى النّدىوأن لا يرى شيئا عجيبا فيعجبا
أقصب: أشتم، وأصل القصب القطع، ومنه قيل للجزّار: قصّاب.
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي:
يا قلب إنّك من أسماء مغرورفاذكر وهل ينفعك اليوم تذكير
تأتي أمورٌ فما تدري أعاجلهاخيرٌ لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيراً وارضينَّ بهفبينما العسر إذا دارت مياسير
وبينما المرء فِي الأحياء مغتبطاًإذ صار فِي الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفهوذو قرابته فِي الحيّ مسرور
حتى كأن لم يكن إلا تذكّرهوالدهر أيتما حلٍ دهارير
الأعاصير جمع إعصار، والإعصار: الريح تثير الغبرة.
قَالَ: وقرأت عَلَى أبي عمر، قَالَ: أملى علينا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، عَنِ ابن الأعرابي، لرافع بن هريم اليربوعي:
وصاحب السوء كالداء الغميض إذايرفضّ فِي الجوف يجري هاهنا وهنا
يبدي ويظهر عَنْ عورات صاحبهوما رأى من فعالٍ صالح دفنا
كمهر سوءٍ إذا سكّنت سيرتهرام الجماح وإن رفعته سكتا
إن عاش ذاك فأبعد عنك منزلهأو مات ذاك فلا تقرب له جننا
يقَالَ: غمض وغمض، فمن قَالَ: غمض، قَالَ فِي الفاعل: غميض، ومن قَالَ: غمض، قَالَ فِي الفاعل: غامض، والجنن، والريم، والرمس، والجدث، والجدف: القبر.
قَالَ وقرأت عليه، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابي:
وإذا صاحبت فاصحب ماجداًذا عفاف وحياء وكرم
قوله للشيء لا إن قلت لاوإذا قلت نعم قَالَ نعم
قَالَ وقرأت عليه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابي، قَالَ قيل لأعرابي: أيّما أحبّ إليك الخبز أو التمر؟ فقَالَ: التمر حلوٌ، وما عَنِ الخبز مصّبر، قَالَ: ومضى هذا الأعرابي الذي قَالَ: التمر حلو ثم عاد، فقيل له: مالك عدت؟ فقَالَ: إن الذئب لا يدع غيطاً شبع فيه
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: نزل رجلٌ من العرب فِي قوم عدىً فأساءوا عشرته، فقيل له: كيف وجدت جيرتك؟ فقَالَ: يغتابنا أقصاهم، ويكذب علينا أدناهم، ويكثرون لدينا نجواهم، ويكشفون علينا خصاهم
قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، قَالَ: قرأ إمام:] وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ثم أرتج عليه، فقَالَ أعرابي من خلفه: إنك يا إمام ما علمت لفعولٌ لما تحيّرت فيه
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ:
وكنا كغصني بانةٍ ليس واحدٌيزول عَلَى الحالات عَنْ رأي واحد
تبدّل بي خلاً فخاللت غيرهوخلّيته لمّا أراد تباعدي
ولو أن كفي لم تردني أبنتهاولم يصطحبها بعد ذلك ساعدي
ألا قبح الرحمن كلّ مماذقيكون أخاً فِي الخفض لا فِي الشدائد
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، قَالَ: أنشدنا عبد الله بن شبيب:
طرقتك بين مسبّح ومكبّربحطيم مكّة حيث كان الأبطح
فحسبت مكّة والمشاعر كلّهاورحالنا باتت بمسكٍ تنفح
قَالَ: وقرأت عَلَى أبي عمر، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابي:
خبروها بأنني قد تزوجتفزلت تكاتم الغيظ سرا
ثم قَالَت لأختها ولأخرىجزعاً ليته تزوّج عشرا
وأشارت إِلَى نساء لديهالا ترى دونهنّ للسرّ سترا
ما لقلبي كأنّه ليس منيوعظامي إخال فيهنّ فترا
من حديث نمي إِلَى فظيعخلت فِي القلب من تلظّيه جمرا
قَالَ: أنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀ قَالَ: أنشدنا أَبُو عثمان الأشنانداني:
بئس قريناً يفنٍ هالكأمّ عبيدٍ وأَبُو مالك
قَالَ: أم عبيد: المفازة، وأَبُو مالك: الكبر، وأنشد.
أبا مالكٍ إنّ الغواني هجرننيأبا مالك إني أظنك دائبا
قَالَ الأصمعي: يُقَال: قرطاط وقرطان، وحجر أصر حجر أيرّ إذا كان صلاداً صلباً، ويقَالَ: اغبن من ثوبك واخبن واكبن، ويقَالَ للناس والدواب إذا مرّوا يمشون مشياً ضعيفاً: مرّوا يدبون دبيباً ويدجّون دجيجاً، ويقَالَ: أقبل الحاجّ والدّاجّ، فالحاجّ: الذين يحجّون، والداجّ: الذين يدجّون فِي أثر الحاج، ويقَالَ للرجل والدابة إذا تعوّد الأمر: قد جرن عليه يجرن جرونا، ومرن عليه يمرن مروناً ومرانة.
وقَالَ أَبُو عبيدة: ريحٌ ساكرةٌ وساكنةٌ، والزور والزون: كل شيء يتّخذ ربّاً ويعبد، وأنشد:
جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصمّ.
وكانوا جاءوا ببعيرين فعقلوهما وقالوا: لا نفرّ حتى يفرّ هذان فعابهم بذلك، وجعلهما ربّين لهم.
قَالَ أَبُو عمرو الشيباني: المغطغطة والمغططة: القدر الشديدة الغليان، وحكى الفراء، عَنِ امرأة من بني أسد أنها قَالَت: جاءنا سكران ملتكّاً فِي معنى جاء ملتخاً وهو اليابس من السكر، وقَالَ ابن الأعرابي: شيخٌ تاكٌّ وفاك، وقحر وقحم.
قَالَ: الأصمعى من أمثال العرب: أشبه شرجٌ شرجاً لو أنّ أسمرا يضرب مثلاً للأمرين يشتبهان ويفترقان فِي شيء، وذكر أهل البادية أن لقمان بن عاد، قَالَ للقيم بن لقمان: أقم هاهنا حتى أنطلق إِلَى الإبل، فنحر لقيمٌ جزوراً فأكلها ولم يخبأ للقمان، فخاف لأئمته فحرّق ما حوله من السمر الذي بشرج، وشرجٌ: وادٍ، ليخفى المكان، فلما جاء لقمان جعلت الإبل تثير بأخفافها الجمر، فعرف لقمان المكان وأنكر ذهاب السّمر، فقَالَ: أشبه شرج شرجاً لو أن أسيمراً.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع