من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
تعريض بعض الأعراب لإبنه وقد أسر لينجو بعد أن اشتطّ آسروه فِي الفداء
وقرأت عَلَى أبي عمر المطرّز، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يحيى، عَنِ ابن الأعرابي، قَالَ: أسرت طيء رجلاً شاباً من العرب فقدم أبوه وعمّه ليفدياه، فاشتطّوا عليهما فِي الفداء فأعطيا لهم عطية لم يرضوها، فقَالَ: أبوه لا، والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان عَلَى جبل طيء لا أزيدكم عَلَى ما أعطيتكم، ثم انصرفا، فقَالَ الأب للعم: لقد ألقيت إِلَى ابني كليمة، لئن كان فيه خير لينجونّ، فما لبث أن نجا وأطرد قطعة من إبلهم، فكأنّ أباه قَالَ له: الزم الفرقدين عَلَى جبل طيء، فإنهما طالعان عليهما وهما لا يغيبان عنه
وبهذا الإسناد قَالَ ابن الأعرابي: الورث فِي الميراث، والإرث فِي الحسب، وقَالَ: إذا نمت من أول الليل نومةً ثم قمت فتلك النّاشئة، قَالَ: ويقَالَ: رجل معمٌّ ملمٌّ أي يعمُّ القوم ويجمعهم
قَالَ: وأنشدنا أَبُو عبد الله، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى:
ثلاثة أبياتٍ فبيتٌ أحبّهوبيتان ليسا من هواي ولا شكلي
فيأيّها البيت الذي حيل دونهبنا أنت من بيتٍ وأهلك من أهل
بنا أنت من بيت دخولك لذّةٌوظلّك لو يسطاع بالبارد السّهل
قَالَ: وأنشدنا أَبُو عبد الله، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى:
أتيت بني عمّي ورهطي فلم أجدعليهم إذا اشتدّ الزمان معوّلا
ومن يفتقر فِي قومه يحمد الغنىوإن كان فيهم ماجد العمِّ مخولا
يمنون إن أعطوا ويبخل بعضهمويحسب عجزاً سمته إن تجمّلا
ويزري بعقل المرء قلة مالهوإن كان أقوى من رجالٍ وأحولا
فإن الفتى ذا الحزم رام بنفسهحواشي هذا الليل كي يتمولا
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن عَنْ عمه:
الحمد لله حمد دائماً أبداًفِي كل حال هو المسترزق الوزر
فليس ما يجمع المثرى بحيلتهوليس بالعجز من لم يثر يفتقر
إنّ المقاسم أرزاقٌ مقدّرةبين العباد فمحرومٌ ومدّخر
فما رزقت فإن الله جالبهوما حرمت فما يجري به القدر
فاصبر عَلَى حدثان الدّهر منقبضاًعَنِ الدناءة إن الحرّ يصطبر
ولا تبيتنّ ذا همٍّ تعالجهكأنه النار فِي الأحشاء تستعر
عَلَى الفراش لنور الصّبح مرتقباًكأنّ جنبك مغروز به الإبر
فالهمُّ فضلٌ وطول العيش منقطعٌوالرّزق آتٍ وروح الله منتظر
الرّوح: السّرور والفرح، قَالَ الله ﷿: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ والريحان: الرزق.
سمع والهجو قَالَ فِي المدح
وحَدَّثَنَا أَبُو عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن يزيد الأزدي يعني المبرد، قَالَ سعيد بن سلم: مدحني أعرابي ببيتين لم أسمع أحسن منهما:
أي سارياً بالليل لا تخش ضلًّةًسعيد بن سلم ضوء كلّ بلاد
لنا مقرم أربى عَلَى كلّ مقرمجوادٌ حثا فِي وجه كلّ جواد
فأغفلت صلته فهجاني بيتين لم أسمع أهجى منهما، وهما قوله:
لكلّ أخي مدحٍ ثوابٌ علمتهوليس لمدح الباهليّ ثواب
مدحت ابن سلمٍ والمديح مهّزةٌفكان كصفوانٍ عليه تراب
قَالَ: وأنشدنا أحمد بن يحيى:
قد مررنا بمالك فوجدناهسخّياً إِلَى المكارم ينمى
ورحلنا إِلَى سعيد بن سلمفإذا ضيفه من الجوع يرمى
يرمى بنفسه: أي يموت.
وإذا خبزه عليه سيكفيكهمالله ما بدا ضوء نجم
وإذا خاتم خاتم النَّبِيّ سليمانبن داود علاه بختم
فارتحلنا من عند هذا بحمدٍوارتحلنا من عند هذا بذمّ
قَالَ: وأنشدنا أَبُو عبد الله، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى، وقرأت هذه الأبيات عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، والألفاظ فِي الروايتين مختلفة ولم يسمّ قائلها أَبُو عبد الله، وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ هي لسالم ابن وابصة:
أحبّ الفتى ينفي الفواحش سمعهكأنه به عَنْ كلّ فاحشةٍ وقرا
سليم دواعي الصّدر لا باسطاً أذىًولا مانعاً خيراً ولا ناطقاً هجرا
إذا ما أتت من صاحبٍ لك زلّةُفكن أنت محتالاً لزلّته عذرا
غنى النّفس ما يكفيه من سدّ خلّةٍوإن زاد شيئاً عاد ذاك الغني فقرا
قصيدة الأفوه الأودى التي منها: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم...... البيت
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، ﵀، أنشدنا أَبُو عَلَى العنزي، للأفوه الأودي: وقرأتها عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، فِي شعر الأفوه، واسمه صلاءة بن عمرو:
فينا معاشر لم يبنوا لقومهموإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
وروى أَبُو بَكْرِ بن الأنباري: منا معاشر لن يبنوا.
لا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهمفالجهل منهم معا والغي ميعاد
أضحوا كقيل بن عمرو فِي عشيرتهإذ أهلكت بالذي سدّى لها عاد
وروى أَبُو بَكْرِ بن الأنباري:
كانوا كمثل لقيم فِي عشيرتهإذ أهلكت بالذي قد قدمت عاد
أو بعده كقدار حين تابعهعَلَى الغواية أقوام فقد بادوا
وروى أَبُو بَكْرِ بن الأنباري: حين طاوعه.
والبيت لا يبتني إلا له عمدُولا عماد إذا لم ترس أوتاد
وروى أَبُو بَكْرٍِ: ولا عمود.
فإن تجمّع أوتادُ وأعمدةُوساكنُ بلغوا الأمر الذي كادوا
وزادنا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري بعد هذا بيتاً وهو:
وإن تجّمع أقوامُ ذوو حسبٍاصطاد أمرهم بالرّشد مصطاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جهّالهم سادوا
تبقى الأمور بأهل الرّأي ما صلحتفإن تولّت فبالأشرار تنقاد
وروى أَبُو بَكْرِ بن الأنباري: تهدي الأمور:
إذا تولى سراة القوم أمرهمنما عَلَى ذاك أمر القوم فازدادوا
أمارة الغيّ أن يلقى الجميع لذيالأبرام للأمر والأذناب أكتاد
حان الرحيل إِلَى قومٍ وإن بعدوافيهم صلاح لمرتاد وإرشاد
وروى أَبُو بَكْرِ بن الأنباري: آن الرحيل،
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد: حان الرحيل، ويروى: لأرحلنّ إِلَى قوم.
فسوف أجعل بعد الأرض دونكموإن دنت رحمٌ منكم وميلاد
إنّ النّجاء إذا ما كنت ذا نفرمن أجة الغي إبعاد فإبعاد
وزادنا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري بعد هذا بيتا وهو:
فالخير تزداد منه ما لقيت بهوالشرُّ يكفيك منه قلّما زاد
منازعة القتال الكلابي رجلاً من قومه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عثمان عَنِ التوزي، عَنْ أبي عبيدة، قَالَ: نازع القتّال الكلابي، وهو عبيد بن المضرحيّ، رجلاً من قومه، فقَالَ له الرجل: أنت كلّ عَلَى قومك، والله إنك لخامل الذّكر والحسب، ذليل النّفر، خفيفٌ عَلَى كاهل خصمك، كلٌّ عَلَى ابن عمك فقَالَ القتال:
أنا ابن أسماء أعمامي لها وأبىإذا ترامى بنو الأموان بالعار
لا أرضع الدهر إلا ثدى واضحةٍلواضح الجد يحمي حوزة الجار
من آل سفيان أو ورقاء يمنعهاتحت العجاجة ضربٌ غير غوار
يا ليتني والمنى ليست بنافعةلمالك أو لحصن أو لسيار
طوال أنضية الأعناق لم يجدواريح الإماء إذا راحت بأزفار
لا يتركون أخاهم فِي مودأةٍيسفي عليه دليل الذّلّ والعار
ولا يفروّن والمخزاة تقرعهمحتى يصيبوا بأيد ذات أظفار
النضي: عظم العنق، والأزفار: الأحمال، واحدها زفرٌ، والمودّأة: المضيّقة، من قولهم تودّأت عليه الأرض إذا استوت عليه فوارته.
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدني أبي:
أيّ شيء يكون أعجب أمراًإن تفكّرت من صروف الزّمان
عارضات السّرور توزن فيهوالبلايا تكال بالقفزان
قَالَ: وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، لكبشة أخت عمرو بن معد يكرب:
وأرسل عبد الله إذ حان حينهإِلَى قومه لا تعقلوا لهم دمى
ولا تأخذوا منهم إفالاً وابكراًوأترك فِي بيتٍ بصعدة مظلم
ودع عنك عمراً إن عمراً مسالمٌوهل بطن عمرو غير شبرٍ لمطعم
فإن أنتم لم تقبلوا واتّديتمفمشّوا بآذان النّعام المصلّم
ولا تردوا إلا فضول نسائكمإذا ارتملت أعقابهن من الدم
الإفال جمع أفيل وهي صغار أولاد الإبل، وارتملت: التطخت يعني إذا حضن.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع