من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
وصية عبد الله بن شداد لابنه
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، قَالَ: لما حضرت عبد الله بن شدّاد بن الهاد الوفاة دعا ابناً له يُقَال له: محمد، فقَالَ: يا بنيّ، إني أرى داعي الموت لا يقلع، وأرى من مضى لا يرجع، ومن بقى فإليه ينزع، وإني موصيك بوصية فاحفظها، عليك بتقوى الله العظيم، وليكن أولى الأمور بك شكر الله، وحسن النية فِي السر والعلانية، فإن الشّكور يزداد، والتقوى خير زاد، وكن كما قَالَ الحطيئة:
ولست أرى السعادة جمع مالٍولكنّ التقيّ هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخراًوعند الله للأتقى مزيد
وما لا بدّ أن يأتي قريبٌولكنّ الذي يمضي بعيد
ثم قَالَ: أي بنيّ، لا تزهدنّ فِي معروف، فإن الدهر ذو صروف، والأيام ذات نوائب عَلَى الشاهد والغائب، فكم من راغب قد كان مرغوباً إليه، وطالب أصبح مطلوباً ما لديه، واعلم أن الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان يرى الهوان، وكن أي بنيّ كما قَالَ أَبُو الأسود الدؤلي:
وعدّ من الرحمن فضلاً ونعمةًعليك إذا ما جاء للعرف طالب
وإن امرأً لا يرتجى الخير عندهيكن هيناً ثقلاً عَلَى من يصاحب
فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالباًفإنك لا تدري متى أنت راغب
رأيت التوا هذا الزمان بأهلهوبينهم فيه تكون النوائب
ثم قَالَ: أي بني، كن جواداً بالمال فِي موضع الحق، بخيلاً بالأسرار عَنْ جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء الإنفاق فِي وجه البر، وإن أحمد بخل الحرّ الضن بمكتوم السر، وكن كما قَالَ قيس بن الخطيم الأنصاري:
أجود بمكنون التلاد واننيبسرك عمن سالني لضنين
إذا جاوز الإثنين سرٌ فإنهبنثً وتكثير الحديث قمين
وعندي له يوما إذا ما ائتمنتنيمكانٌ بسوداء الفؤاد مكين
ثم قَالَ: أي بني، وإن غلبت يوماً عَلَى المال، فلا تدع الحيلة عَلَى حال، فإن الكريم يحتال، والدنى عيال، وكن أحسن ما تكون فِي الظاهر حالاً، أقل ما تكون فِي الباطن مالاً، فإن الكريم من كرمت طبيعته، وظهرت عند الإنفاد نعمته، وكن كما قَالَ ابن خذاق العبدي:
وجدت أبي قد اورثه أبوهخلالاً قد تعد من المعالي
فأكرم ما تكون عَلَى نفسيإذا ما قل فِي الأزمات مالي
فتحسن سيرتي وأصون عرضيويجمل عند أهل الرأي حالي
وإن نلت الغنى لم أغل فيهولم أخص بجفوتي الموالي
ثم قَالَ: أي بني، وإن سمعت كلمة من حاسد، فكن كأنك لست بالشاهد، فإنك إن أمضيتها حيالها، رجع العيب عَلَى من قالها، وكان يُقَال: الأريب العاقل، هو الفطن المتغافل، وكن كما قَالَ حاتم الطائي:
وما من شيمتي شتم ابن عميوما أنا مخلفٌ من يرتجيني
وكلمة حاسدٍ فِي غير جرمسمعت فقلت مري فانفذيني
فعابوها عَلَى ولم تسؤنيولم يعرق لها يوماً جبيني
وذو اللّونين يلقاني طليقاًوليس إذا تغيّب يأتليني
ما ألوت: ما قصرت، وما ألوت: ما استطعت سمعت بعيبه فصفحت عنه محافظةً عَلَى حسبي وديني ويروى سمعت بغيبه، ثم قَالَ: أي بنيّ، لا تواخ أمرأً حتى تعاشره، وتتفقّد موارده ومصادره، فإذا استطعت العشرة، ورضيت الخبرة، فواخه عَلَى إقالة العثرة، والمواساة فِي العسرة، وكن كما قَالَ المقنع الكندي:
ابل الرجال إذا أردت إخاءهموتوسّمنّ فعالهم وتفقّد
فإذا ظفرت بذي اللبابة والتّقىفبه اليدين قرير عينٍ فاشدد
وإذا رأيت ولا محالة زلةًفعلى أخيك بفضل حلمك فاردد
ثم قَالَ: أي بني، إذا أحببت فلا تفرط، وإذا أبغضت فلا تشطط، فإنه قد كان يُقَال: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما، وكن كما قَالَ هدبة بن الخشرم العذريّ:
وكن معقلاً للحلم واصفح عَنِ الخنافإنك راءٍ ما حييت وسامع
وأحبب إذا أحببت حباً مقارباًفإنك لا تدري متى أنت نازع
وأبغض إذا أبغضت بغضاً مقارباًفإنك لا تدري متى أنت راجع
وعليك بصحبة الأخيار وصدق الحديث، وإياك وصحبة الأشرار فإنه عار، وكن كما قَالَ الشاعر:
اصحب الأخيار وارغب فيهمربّ من صاحبته مثل الجرب
ودع الناس فلا تشتمهموإذا شاتمت فاشتم ذا حسب
إنّ من شاتم وغداً كالذّييشتري الصّفر بأعيان الذّهب
وأصدق الناس إذا حدثتهمودع الناس فمن شاء كذب
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه، لكعب:
وذي ندب دامي الأظل قسمتهمحافظةً بيني وبين زميلي
وزادٍ رفعت الكفّ عنه تجملاًلأوثر فِي زادي عَلَى أكيلي
وما أنا للشيء الذّي ليس نافعيويغضب منه صاحبي بقئول
النّدب: الأثر، وجمعه ندوب وأندابٌ، والأظل: باطن خف البعير.
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو عثمان عَنِ التّوزي، عَنْ أبي عبيدة، لعروة بن الورد:
لا تشتمنّي يا بن ورد فإننّيتعود عَلَى مالي الحقوق العوائد
ومن يؤثر الحقّ النّدوب تكن بهخصاصة جسم وهو طيان ماجد
وإني امرؤٌ عافي إنائي شركةٌوأنت امرؤ عافي إنائك واحد
أقسّم جسمي فِي جسومٍ كثيرةٍوأحسو قراح الماء والماء بارد
قَالَ: وأنشدنا أَبُو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة:
أخط مع الدّهر إذا ما خطاوأجر مع الدّهر كما يجري
من سابق الدهر كبا كبوةلم يستقلها من خطا الدّهر
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع