من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
مثاله من النثر (٤)
فمن ذلك أن يحيى بن خالد البرمكى قال لعبد الملك بن صالح: أنت حقود؛ فقال:
إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشر فإنهما عندى لباقيان. فقال يحيى: ما رأيت أحدا احتجّ للحقد حتى حسّنه غيرك. وقد مر هذا الفصل فى أول الكتاب.
ورأى الحسن على رجل طيلسان صوف، فقال له: أيعجبك طيلسانك هذا؟
قال: نعم، قال: إنه كان على شاة قبلك، فهجّنه من وجه قريب.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا الصولى، قال: حدثنا محمد بن القاسم أبو العيناء، قال: لما دخلت على المتوكل دعوت له، وكلمته فاستحسن كلامى؛ وقال لى: يا محمد؛ بلغنى أنّ فيك شرا، قلت: يا أمير المؤمنين، إن يكن الشّرّ ذكر المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته، فقد زكّى الله ﷿ وذم؟ فقال فى التزكية: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
؛ وقال فى الذم: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
، فذمه الله تعالى حتى قذفه؛ وقد قال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أثن دائماولم أشتم الجبس اللّئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمهوشقّ لى الله المسامع والفما
وفى الخبر بعض طول.
وكان عبد الله بن أمية وسم دوابّه «عدّة»، فلما جازبها الحجاج جعل إلى جانبه «للفرار». وقيل لعبادة: إن السّودان أسخن، فقال: نعم، للعيون. وقال رجل
لرجل كان يراه فيبغضه: ما اسمك؟ فقال: سعد، قال: على الأعداء. وسمعت والدى ﵀ يقول: لعن الله الصبر فإن مضرته عاجلة، ومنفعته آجلة، يتعجّل به ألم القلب، بأمثال المنفعة فى العاقبة؛ ولعلها تفوتك لعارض يعرض، فكنت قد تعجلت الغم من غير أن يصل إليك نفع؛ وما سمعت هذا المعنى من غيره، فنظمته بعد ذلك، فقلت:
الصّبر عمن تحبّه صبرونفع من لام فى الهوى ضرر
من كان دون المرام مصطبرافلست دون المرام أصطبر
منفعة الصّبر غير عاجلةوربما حال دونها الغير
فقم بنا نلتمس مآربناأقام أو لم يقم بنا القدر
إنّ لنا أنفسا تسودناأعانهنّ الزمان أو يذر
وابغ من العيش ما تسرّ بهإن عذل الناس فيه أو عذروا
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع