من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
البلاغة معرفة الفصل والوصل
قيل للفارسى: ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل. وقال المأمون لبعضهم: من أبلغ الناس؟ فقال: من قرّب الأمر البعيد المتناول، والصّعب الدرك بالألفاظ اليسيرة، قال: ما عدل سهمك عن الغرض. ولكن البليغ من كان كلامه فى مقدار حاجته، ولا يجيل الفكرة فى اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ، ولا يكره المعانى على إنزالها فى غير منازلها، ولا يتعمّد الغريب الوحشىّ، ولا الساقط السّوقىّ؛ فإن البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلىء بلا نظام.
وقال أبو العباس السفاح لكاتبه: قف عند مقاطع الكلام وحدوده؛ وإيّاك أن تخلط المرعىّ بالهمل. ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل.
وقال الأحنف بن قيس: ما رأيت رجلا تكلّم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام، ولا عرف حدوده إلا عمرو بن العاص رضى الله عنه، كان إذا تكلم تفقد مقاطع الكلام، وأعطى حقّ المقام، وغاص فى استخراج المعنى بألطف مخرج؛ حتى كان يقف عند المقطع وقوفا يحول بينه وبين تبيعته من الألفاظ، وكان كثيرا ما ينشد:
إذا ما بدا فوق المنابر قائلاأصاب بما يومى إليه المقاتلا
ولا أعرف فصلا فى كلام منثور أحسن مما أخبرنا به أبو أحمد، قال: حدثنا الصّولى، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنى العتبى عن أبيه، قال: كان شبيب ابن شبّة يوما قاعدا بباب المهدى، فأقبل عبد الصمد بن الفضل الرّقاشىّ، فلما رآه قال: أتاكم والله كليم الناس. فلما جلس قال شبيب: تكلم يا أبا العباس، فقال:
أمعك يا أبا معمر وأنت خطيبنا وسيدنا؟ قال: نعم، فو الله ما رأيت قلبا أقرب من لسان، من قلبك من لسانك، قال: فى أى شىء تحب أن أتكلم؟ قال: وإذا شيخ معه عصا يتوكأ عليها، فقال: صف لنا هذه العصا، فحمد الله ﷿ وأثنى عليه، ثم ذكر السماء، فقال: رفعها الله بغير عمد، وجعل فيها نجوم رجم ونجوم اقتداء، وأدار فيها سراجا وقمرا منيرا؛ لتعلموا عدد السنين والحساب، وأنزل منها ماء مباركا، أحيا به الزرع والضّرع وأدرّ به الأقوات، وحفظ به الأرواح، وأنبت به أنواعا مختلفة، يصرّفها من حال إلى حال؛ تكون حبّة، ثم يجعلها عرقا، ثم يقيمها على ساق، فبينا تراها خضراء ترف إذ صارت يابسة تتقصّف، لينتفع بها العباد، ويعمر بها البلاد، وجعل من يبسها هذه العصا. ثم أقبل على الشيخ، فقال: وكان هذا نطفة فى صلب أبيه، ثم صار علقة حين خرج منه، ثم مضغة ثم لحما وعظما، فصار جنينا أوجده الله بعد عدم، وأنشأه مريدا، ووفقه مكتهلا، ونقصه شيخا، حتى صار إلى هذه الحال، من الكبر، فاحتاج فى آخر حالاته إلى هذه العصا؛ فتبارك المدبّر للعباد ... قال شبيب: فما سمعت كلاما على بديه أحسن منه.
وقال معاوية: يا أشدق؛ قم عند قروم العرب وجحاجحها، فسلّ لسانك، وجل فى ميادين البلاغة، وليكن التفقّد لمقاطع الكلام منك على بال، فإنى شهدت رسول الله ﷺ أملى على علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه كتابا، وكان يتفقّد مقاطع الكلام كتفقد المصرم صريمته.
ولما أقام أبو جعفر صالحا خطيبا بحضرة شبيب بن شبة وأشراف قريش فتكلم، أقبل شبيب. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما رأيت كاليوم أبين بيانا، ولا أربط جنانا، ولا أفصح لسانا، ولا أبلّ ريقا، ولا أغمض عروقا، ولا أحسن طريقا، إلا أن الجواد عسير لم يرض؛ فحملته القوة على تعسّف الإكام وخبطها، وترك الطريق اللاحب، وايم الله لو عرف فى خطبته مقاطع الكلام لكان أفصح من نطق بلسان.
وقال المأمون: ما أعجب بكلام أحد كاعجابى بكتاب القاسم بن عيسى، فإنه يوجز فى غير عجز، ويصيب مفاصل الكلام ولا تدعوه المقدرة إلى الإطناب، ولا تميل به الغزارة إلى الإسهاب، يجلى عن مراده فى كتبه، ويصيب المغزى فى ألفاظه.
وكان يزيد بن معاوية يقول: إياكم أن تجعلوا الفصل وصلا، فإنه أشدّ وأعيب من اللّحن.
وكان أكثم بن صيفى إذا كاتب ملوك الجاهلية يقول لكتّابه افصلوا بين كل معنى منقض، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض. وكان الحرث بن أبى شمر الغسّانى يقول لكاتبه المرقش: إذا نزع بك الكلام إلى الابتداء بمعنى غير ما أنت فيه فافصل بينه وبين تبيعته من الألفاظ، فإنك إن مذقت ألفاظك بغير ما يحسن أن تمذق به نفّرت القلوب عن وعيها، وملّته الأسماع، واستثقلته الرواة. وكان بزرجمهر. يقول: إذا مدحت رجلا، وهجوت آخر، فاجعل بين القولين فصلا حتى تعرف المدح من الهجاء، كما تفعل فى كتبك إذا استأنفت القول، وأكملت ما سلف من اللفظ.
وقال الحسن بن سهل لكاتبه الحرّانى: ما منزلة الكاتب فى قوله وفعله؟ قال:
أن يكون مطبوعا محتنكا بالتجربة، عالما بحلال الكتاب والسنة وحرامها، وبالدهور فى تداولها وتصرّفها، وبالملوك فى سيرها وأيامها، مع براعة اللفظ وحسن التنسيق، وتأليف الأوصال بمشاكلة الاستعارة، وشرح المعنى؛ حتى ينصب ضورها، وبمقاطع الكلام، ومعرفة الفصل من الوصل؛ فإذا كان ذلك كذلك فهو كاتب مجيد. والقول إذا استكمل آلته، واستتمّ معناه فالفصل عنده. وكان عبد الحميد الكاتب إذا استخبر الرجل فى كتابه فكتب: خبرك، وحالك وسلامتك؛ فصل بين هذه الأحرف ويقول:
قد استكمل كل حرف منها آلته، ووقع الفصل عليه. وكان صالح بن عبد الرحمن التميمى الكاتب يفصّل بين الآيات كلها وبين تبيعتها من الكتاب، كيف وقعت.
وكان يقول: ما استؤنف إنّ- إلا وقع الفصل، وكان جبل بن يزيد يفصّل بين الفاءات كلها، وقد كره بعض الكتبة ذلك وأحبه بعض، وفصل المأمون عند «حتى» كيف وقعت، وأمر كتابه بذلك، فغلط أحمد بن يوسف، ووصل حتى بما بعده من اللفظ، فلما عرض الكتاب على المأمون أمر بإحضاره، فقال: لعن الله هذه القلوب حين اكنّت العلوم بزعمكم، واجتنت ثمر لطائف الحكمة بدعواكم؛ قد شغلتموها باستظراف ما عزب عنكم علمه عن تفهّم ما رويتموه، وتفحّص ما جمعتموه، وتعرف ما استقدمتموه؛ أليس قد تقدمنا إليكم بالفصل عند «حتى» حيثما وقعت من الألفاظ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد ينبو السيف وهو صميم، ويكبو الجواد وهو كريم. وكان لا يعود فى شىء من ذلك، وكان يأمر كتابه بالفصل بين؛ بل وبلى، وليس.
وأمر عبد الملك كتابه بذلك إلا «ليس». وقال المأمون ما أتفحّص من رجل شيئا كتفحّصى عن الفصل والوصل فى كتابه، والتخلّص من المحلول إلى المعقود، فإنّ لكل شىء جمالا، وحلية الكتاب وجماله إيقاع الفصل موقعه، وشحذ الفكرة وإجالتها فى لطف التخلص من المعقود إلى المحلول.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع