تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

أمثلة

وإن كان يعلم أن الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح، مثل ابتداء ذى الرّمة:

ما بال عينك منها الماء ينسكبكأنه من كلى مفرّية سرب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وقد أنكر الفضل بن يحيى البرمكى على أبى نواس ابتداءه:

أربع البلى إن الخشوع لبادىعليك وإنى لم أخنك ودادى

قال فلما انتهى إلى قوله:

سلام على الدّنيا إذا ما فقدتمبنى برمك من رائحين وغاد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

وسمعه استحكم تطيّره، وقيل: إنه لم يمض أسبوع حتى نكبوا.

ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: حدثنا الصولى، قال: حدثنا محمد بن العباس

اليزيدى، قال: حدثنى عمى عن أخيه أبى محمد، قال: لما فرغ من بناء قصره بالميدان الذى كان للعباسية، جلس فيه وجمع الناس من أهله وأصحابه، وأمر أن يلبس الناس كلّهم الديباج، وجعل سريره فى الإيوان المنقوش بالفسافسا الذى كان فى صدره صورة العنقاء، فجلس على سرير مرصّع بأنواع الجواهر، وجعل على رأسه التاج الذى فيه الدرّة اليتيمة، وفى الإيوان أسرّة آبنوس عن يمينه وعن يساره، من عند السرير الذى عليه المعتصم إلى باب الإيوان؛ فكلما دخل رجل رتّبه هو بنفسه فى الموضع الذى يراه، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم فى النّشيد فأذن له؛ فأنشده شعرا ما سمع الناس أحسن منه فى صفته وصفة المجلس؛ إلّا أن أوله تشبيب بالديار القديمة، وبقية آثارها فكان أول بيت منها:

يا دار غيّرك البلى فمحاكياليت شعرى ما الّذى أبلاك

فتطيّر المعتصم منها، وتغامز الناس، وعجبوا كيف ذهب على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك؛ قال: فأقمنا يومنا هذا، وانصرفنا، فما عاد منا اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سرّ من رأى، وخرب القصر.

وأنشد البحترى أبا سعيد قصيدة أولها:

لك الويل من ليل تطاول آخرهووشك نوى حىّ تزم أباعره

فقال أبو سعيد: بل الويل والحرب لك! فغيّره وجعله «له الويل» وهو ردىء أيضا.

وأنشد أبو حكيمة أبا دلف:

ألا ذهب الأير الذى كنت تعرف

فقال أبو دلف: أمّك تعرف ذلك.

وأنشد أبو مقاتل الداعى:

لا تقل بشرى ولكن بشريانغرّة الداعى ويوم المهرجان

فأوجعه الداعى ضربا، ثم قال: هلا قلت: «إن تقل بشرى فعندى بشريان».

فإن أراد أن يذكر دارا فليذكرها كما ذكرها الخريمى:

ألا يادار دام لك الحبوروساعدك الغضارة والسرور

وكما قال أشجع:

قصر عليه تحية وسلامنشرت عليه جمالها الأيام
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصناعتين: الكتابة والشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.