من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من رسائل ابن العميد
وكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى عبد الله الطبرى:
وقفت على ما وصفت من برّ مولانا الأمير لك، وتوفّره بالفضل عليك، وإظهار جميل رأيه فيك، وما أنزله من عارفة لديك؛ وليس العجب أن يتناهى مثله فى الكرم إلى أبعد غاية، وإنما العجب أن يقصر شىء من مساعيه عن نيل المجد كلّه، وحيازة الفضل بأجمعه؛ وقد رجوت أن يكون ما يغرسه من صنيعة عندك أجدر غرس بالزّكاء، وأضمنه للزّيع والنّماء؛ فارع ذلك، واركب فى الخدمة طريقة تبعدك من الملال، وتوسطك فى الحضور بين الإكثار والإقلال، ولا تسترسل إلى حسن القبول كلّ الاسترسال؛ فلأن تدعى من بعيد خير من أن تقصى من قريب، وليكن كلامك جوابا تتحرّز فيه من الخطل ومن الإسهاب، ولا يعجبنّك تأتّى كلمة محمودة فيلجّ بك الإطناب توقّعا لمثلها؛ فربما هدمت ما بنته الأولى، وبضاعتك فى الشرف مزجاة، وبالعقل يزمّ اللسان، ويرام السّداد، فلا يستفزّنك طرب الكلام على ما يفسد تمييزك؛ والشفاعة لا تعرض لها فإنها مخلقة للجاه؛ فإن اضطررت إليها فلا تهجم عليها حتى تعرف موقعها.
وتحصّل وزنها، وتطالع موضعها؛ فإن وجدت النفس بالإجابة سمحة، وإلى
الإسعاف هشّة، فأظهر ما فى نفسك غير محقّق، ولا توهم أنّ عليك فى الرد ما يوحشك، ولا فى المنع ما يغيظك، وليكن انطلاق وجهك إذا دفعت عن حاجتك أكثر منه عند نجاحها على يدك، ليخفّ كلامك، ولا يثقل على سامعه منك. أقول ما أقول غير واعظ ولا مرشد، فقد جمّل الله خصالك، وحسّن خلالك، وفضّلك فى ذلك كله؛ لكنى أنبه تنبيه المشارك لك، وأعلم أنّ للذكرى موصعا منك لطيفا.
وله أيضا: سألتنى عمن شفّنى وجدى به، وشغفنى حبّى له، وزعمت أنى لو شئت لذهلت عنه ولو أردت لاعتضت منه. زعما، لعمر أبيك، ليس بمزعم. كيف أسلو عنه، وأنا أراه، وأنساه وهو لى تجاه؛ هو أغلب علىّ، وأقرب إلىّ، من أن يرخى لى عنانى، أو يخلينى واختيارى، بعد اختلاطى بملكه، وانخراطى فى سلكه، وبعد أن ناط حبّه بقلبى نائط، وساطه بدمى سائط. وهو جار مجرى الرّوح فى الأعضاء، متنسم تنسّم روح الهواء؛ إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقعت عليه، وما أحبّ السلوّ عنه مع هناته، وما أوثر الخلوّ منه مع ملاته؛ هذا على أنه إن أقبل علىّ بهتنى إقباله، وإن أعرض عنى لم يطرقنى خياله، يبعد عنى مثاله، ويقرب من غيرى نواله، ويردّ عينى خاسئة، ويثنى يدى خالية، وقد بسط آفات العيون المقاربة، وصدق مرامى الظنون الكاذبة، وصله ينذر بصدّه، وقربه يؤذن ببعده، يدنى عند ما ينزح، ويأسو مثل ما يجرح، محالته أحوال، وخلّته خلال، وحكمه سجال، الحسن فى عوارفه، والجمال من منائحه، والبهاء من أصوله وصفاته، والسّناء من نعوته وسماته، اسمه مطابق لمعناه، وفحواه موافق
لنجواه، يتشابه حالاه، ويتضارع قطراه، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تنساه يستدير.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع