من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
حكم للهند
وفى كتاب الهند: العاقل حقيق أن تسخو نفسه عن الدنيا، علما بأنه لا ينال أحد منها شيئا إلا قلّ إمتاعه به وكثر عناؤه فيه، ووباله عليه، واشتدّت مؤنته عند فراقه، وعلى العاقل أن يدوم ذكره لما بعد هذه الدار، ويتنزّه عما تسيّره إليه نفسه من هذه العاجلة، ويتنحّى عن مشاركة الكفرة والجهال فى حبّ هذه الفانية التى لا يألفها ولا ينخدع بها إلا المغترون.
وفيه: لا يجدّنّ العاقل فى صحبة الأحباب والأخلاء، ولا يحرصنّ على ذلك كل الحرص. فإن صحبتهم على ما فيها من السرور كثيرة الأذى، والمؤنات، والأحزان، ثم لا يفى ذلك بعاقبة الفراق.
وفيه: ليس من شهوات الدنيا ولذاتها شىء إلّا وهو مولّد أذى وحزنا،
كالماء المالح الذى كلما ازداد له صاحبه شربا ازداد عطشا، وكالقطعة من العسل فى أسفلها سم للذائق؛ فيه حلاوة عاجلة، وله فى أسفلها سمّ ذعاف، وكأحلام النائم التى تسرّه فى منامه، فإذا استيقظ انقطع السرور، وكالبرق الذى يضىء قليلا، ويذهب وشيكا، ويبقى صاحبه فى الظلام مقيما، وكدودة الإبريسم ما ازدادت عليه لفّا إلا ازدادت من الخروج بعدا.
وفيه: صاحب الدين قد فكر؛ فعلته السكينة، وسكن فتواضع، وقنع فاستغنى، ورضى فلم يهتمّ، وخلع الدنيا فنجا من الشرور، ورفض الشهوات فصار حرّا، وطرح الحسد فظهرت له المحبّة، وسخت نفسه عن كل فان، فاستكمل العقل، وأبصر العاقبة، فأمن الندامة، ولم يؤذ الناس فيخافهم، ولم يذنب إليهم فيألهم العفو.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع