من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من رسائل العتابى وأدبه
وكتب العتابى إلى بعض إخوانه:
لو اعتصم شوقى إليك بمثل سلوّك عنى لم أبذل وجه الرغبة إليك،
ولم أتجشّم مرارة تماديك، ولكن استخفتنا صبابتنا، فاحتملنا قسوتك، لعظيم قدر مودتك، وأنت أحقّ من اقتصّ لصلتنا من جفائه، ولشوقنا من إبطائه.
وله: كتبت إليك ونفسى رهينة بشكرك، ولسانى علق بالثناء عليك، والغالب على ضميرى لائمة لنفسى، واستقلال لجهدى فى مكافأتك، وأنت- أصلحك الله! - فى عزّ الغنى عنى، وأنا تحت ذلّ الفاقة إلى عطفك، وليس من أخلاقك أن تولى جانب النّبوة منك من هو عان فى الضّراعة إليك.
ودخل العتابى على الرشيد فقال: تكلّم يا عتابى؛ فقال: الإيناس قبل الإبساس، لا يحمد المرء بأول صوابه، ولا يذمّ بأول خطئه؛ لأنه بين كلام زوّره، أوعىّ حصره.
ومرّ العتابى بأبى نواس وهو ينشد الناس:
ذكر الكرخ نازح الأوطانفبكى صبوة ولات أوان
فلما رآه قام إليه، وسأله الجلوس، فأنى؟؟؟ وقال: أين أنا منك وأنت القائل، وقد أنصفك الزمان:
قد علقنا من الخصيب حبالاأمّنتنا طوارق الحدثان
وأنا القائل وقد جار علىّ، وأساء إلىّ:
لفظتنى البلاد، وانطوت الأكفاء دونى، وملّنى جيرانى
والتقت حلقة علىّ من الدّهر فماجت بكلكل وجران
نازعتنى أحداثها منية النفس وهدّت خطوبها أركانى
خاشع للهموم معترف القلب كئيب لنائبات الزمان
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع