من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
كتمان الحب
وقال ابن المعتز:
لما رأيت الحبّ يفضحنىونمت علىّ شواهد الصبّ
ألقيت غيرك فى ظنونهموسترت وجه الحبّ بالحبّ
وقال العباس بن الأحنف فى هذا المعنى:
قد جرّر الناس أذيال الظنون بناوفرّق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظّنّ غيركموصادق ليس يدرى أنه صدقا
[وقريب من هذا المعنى قول الفارضى رضى الله عنه، وإن لم يكن منه:
تخالفت الأقوال فينا تباينابرجم أصول بيننا ما لها أصل
فشنّع قوم بالوصال، ولم أصلوأرجف بالسلوان قوم ولم أسل
وما صدق التشنيع عنها لشقوتىوقد كذبت عنى الأراجيف والنقل]
وقال ابن المعتز:
لنا عزمة صمّاء لا تسمع الرّقىتبيت أنوف الحاسدين على رغم
وإنا لنعطى الحقّ من غير حاكمعلينا، ولو شئنا لملنا مع الظلم
وقد أخذه أبو العباس من قول أعرابى:
ألا يا شفاء النفس ليس بعالمبك الناس حتى يعلموا ليلة القدر
سوى رجمهم بالظنّ والظنّ كاذبمرارا وفيهم من يصيب ولا يدرى
وقال الحسين بن مطير:
لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوىعلى كبدى نارا بطيئا خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرّمتولكنّ شوقا كلّ يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتىإذا قدمت أيامها وعهودها
فقد جعلت فى حبّة القلب والحشاعهاد الهوى تولى بشوق يعيدها
بمرتجّة الأرداف هيف خصورهاعذاب ثناياها عجاف نهودها
وصفر تراقيها، وحمر أكفّهاوسود نواصيها، وبيض خدودها
مخصّرة الأوساط، زانت عقودهابأحسن مما زيّنتها عقودها
يمنّيننا حتى ترفّ قلوبنارفيف الخزامى بات طلّ يجودها
وفيهن مقلاق الوشاح كأنهامهاة بتربان طويل عمودها
وقال:
قضى الله يا أسماء أن لست بارحاأحبك حتى يغمض العين مغمض
فحبك بلوى غير أن لا يسرّنىوإن كان بلوى أننى لك مبغض
فواكبدا من لوعة البين كلّماذكرت ومن رفض الهوى حين يرفض
ومن عبرة تذرى الدموع وزفرةتقضقض أطراف الحشاثم تنهض
فياليتنى أقرضت جلدا صبابتىوأقرضنى صبرا على الشوق مقرض
إذا أنا رضت القلب فى حبّ غيرهابدا حبّها من دونه يتعرّض
وكان الحسين قوىّ أسر الكلام، جزل الألفاظ، شديد العارضة، وهو القائل فى المهدى:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤسويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفّه النّدىويقطر يوم البؤس من كفّه الدم
فلو أن يوم البؤس خلّى عقابهعلى الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أن يوم الجود خلّى نوالهعلى الأرض لم يصبح على الأرض معدم
وأنشد أبو هفّان له:
أين أهل العتاب بالدّهناءأين جيراننا على الأحساء
جاورونا والأرض ملبسة نور الأقاحى تجاد بالأنواء
كل يوم بأقحوان جديدتضحك الأرض من بكاء السماء
أخذ هذا المعنى دعبل، ونقله إلى معنى آخر، فقال:
أين الشباب؟ وأيّة سلكا؟أم أين يطلب؟ ضلّ، بل هلكا
لا تعجبى يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
وقال مسلم بن الوليد فى هذا المعنى:
مستعبر يبكى على دمنةورأسه يضحك فيه المشيب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع