تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من كلاب الأعراب

دخلت أعرابية على عبد الله بن أبى بكرة بالبصرة، فوقفت بين السّماطين، فقالت: أصلح الله الأمير، وأمتع به؛ حدرتنا إليك سنة اشتدّ بلاؤها، وانكشف غطاؤها، أقود صبية صغارا، وآخرين كبارا، فى بلد شاسعة، تخفضنا خافضة، وترفعنا رافعة، لملمّات من الدهر برين عظمى، وأذهبن لحمى، وتركتنى والهة أدور بالحضيض، وقد ضاق بى البلد العريض، فسألت فى أحياء العرب: من الكاملة فضائله، المعطى سائله، المكفىّ نائله؛

فدللت عليك- أصلحك الله تعالى- وأنا امرأة من هوازن؛ وقد مات الوالد، وغاب الرّافد، وأنت بعد الله غياثى، ومنتهى أملى، فافعل بى إحدى ثلاث:

إما أن تردّنى إلى بلدى، أو تحسن صفدى. أو تقيم أودى! فقال: بل أجمعها لك، فلم يزل يجرى عليها كما يجرى على عياله، حتى ماتت.

قال العتبىّ: وقف أعرابىّ بباب عبيد الله بن زياد، فقال: يأهل الغضارة، حقب السحاب، وانقشع الرّباب، واستأسدت الذّئاب، وردم الثّمد، وقلّ الحفد، ومات الولد، وكنت كثير العفاة، صخب السقاة، عظيم الدّلاة، لا أتضاءل للزمان، ولا أحفل بالحدثان، حىّ حلال، وعدد ومال، فتفرقنا أيدى سبا، بعد فقد الأبناء والآباء؛ وكنت حسن الشارة، خصيب الدّارة، سليم الجارة، وكان محلى حمى، وقومى أسى، وعزمى جدا؛ قضى الله ولا رجعان لما قضى، بسواف المال، وشتات الرجال، وتغيّر الحال، فأغيثوا من شخصه شاهده، ولسانه وافده، وفقره سائقه وقائده.

[من مقامات بديع الزمان] ومن مقامات الإسكندرى من إنشاء بديع الزمان، قال:

حدثنا عيسى بن هشام، قال: دخلت البصرة وأنا من سنّى فى فتاء، ومن الزّىّ فى حبر ووشاء، ومن الغنى فى بقر وشاء؛ فأتيت المربد مع رفقة تأخذهم العيون، ودخلنا غير بعيد فى بعض تلك المتنزهات، ومشينا فى تلك المتوجّهات، وملكتنا أرض فحللناها، وعمدنا لقداح اللهو فأجلناها، مطّرحين للحشمة،

إذ لم يكن فينا إلا منّا، فما كان إلّا بأسرع من ارتداد الطّرف حتى عنّ لنا سواد، تخفضه وهاد، وترفعه نجاد، وعلمنا أنه يهم بنا، فأتلعنا له، حتى انتهى إلينا سيره، ولقينا بتحية الإسلام، ورددنا عليه مقتضى السلام؛ ثم أجال فينا طرفه وقال: يا قوم؛ ما منكم إلّا من يلحظنى شزرا، ويوسعنى زجرا، ولا ينبئكم عنى، بأصدق منى؛ أنا رجل من أهل الإسكندرية، من الثغور الأموية، قد وطّأ لى الفضل كنفه، ورحبت بى عبس، ونمانى بيت، ثم جعجع بى الدهر عن ثمّه ورمّه، وأتلانى زغاليل حمر الحواصل:

كأنهم حيّات أرض محلةفلو يغضّون لذكىّ سمّهم
إذا نزلنا أرسلونى كاسباوإن رحلنا ركبونى كلهم

ونشزت علينا البيض، وشمست منا الصّفر، وأكلتنا السّود، وحطمتنا الحمر، وانتابنا أبو مالك، فما تلقّانا أبو جابر إلّا عن عفر، وهذه البصرة ماؤها هضوم، وفقيرها مهضوم، والمرء من ضرسه فى شغل، ومن نفسه فى كلّ، فكيف بمن:

يطوّف ما يطوّف ثم يأوىإلى زغب محدّدة العيون
كساهنّ البلى شعثا فتمسىجياع الناب ضامرة العيون

ولقد أصبحن اليوم وقد سرّحن الطّرف فى حىّ كميت، وفى بيت كلا بيت، وقلبن الأكفّ على ليت، فقضضن عقد الضلوع، وأفضن ماء الدموع، وتداعين باسم الجوع:

والفقر فى زمن اللثام لكلّ ذى كرم علامه

وقد اخترتكم يا سادة، ودلّتنى عليكم السعادة، وقلت: قسما، إن فيهم شيما، فهل من فتى يعشّيهن، أو يغشّيهن؟ وهل من حرّ يغدّيهن، أو يردّيهن؟

قال عيسى بن هشام: فوالله ما استأذن على سمعى كلام رائع أبرع مما سمعت، لاجرم أنا استمحنا الأوساط، ونفضنا الأكمام، وبحثنا الجيوب؛ وأنلته مطرفى، وأخذت الجماعة أخذى، وقلنا له: الحق بأطفالك، فأعرض عنّا بعد شكر وفّاه، ونشر ملأ به فاه.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.