تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من نوادر الرثاء

ولما مات قرد زبيدة بنت جعفر ساءها ذلك، ونالها من الغمّ ما عرفه الصغير والكبير من خاصّتها، فكتب إليها أبو هارون العبدىّ:

أيتها السيدة الخطيرة؛ إنّ موقع الخطب بذهاب الصغير المعجب كموقع السرور بنيل الكثير المفرح، ومن جهل قدر التعزية عن التّافه الخفىّ، عمى عن التهنئة بالجليل السّنىّ، فلا نقصك الله الزائد فى سرورك، ولا حرمك أجر الذاهب من صغيرك.

فأمرت له بجائزة.

وكتب أبو إسحاق الصابى عن ابن بقية فى أيام وزارته إلى أبى بكر بن قريعة يعزّيه عن ثور أبيض بقوله، وجلس للعزاء عنه تراقعا وتحامقا:

التعزية على المفقود أطال الله بقاء القاضى إنما تكون بحسب محلّه من فاقده، من غير أن تراعى قيمته ولا قدره، ولا ذاته ولا عينه؛ إذ كان الغرض فيها تبريد الغلّة، وإخماد اللّوعة، وتسكين الزّفرة، وتنفيس الكربة، فربّ ولد

عاق، وشقيق مشاقّ، ودى رحم أصبح لها قاطعا، [ولأهله فاجعا]، وقريب قوم قد قلّدهم عارا، وناط بهم شنارا، فلا لوم على ترك التعزية عنه، وأحر بها أن تستحيل تهنئة بالراحة منه؛ وربّ مال صامت غير ناطق، قد كان صاحبه به مستظهرا، وله مستثمرا، فالفجيعة به إذا فقد موضوعة موضعها، والتعزية عنه واقعة منه موقعها. وقد بلغنى أن القاضى أصيب بثور كان له، فجلس للعزاء عنه شاكيا، وأجهش عليه باكيا، والندم عليه والها، وحكيت عنه حكايات فى التأبين له، وإقامة النّدبة عليه، وتعديد ما كان فيه من فضائل البقر التى تفرقت فى غيره، واجتمعت فيه وحده؛ فصار كما قال أبو نواس، فى مثله من الناس:

ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم فى واحد
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

لأنه يكرب الأرض مغمورة، ويثيرها مزروعة، ويرقص فى الدواليب ساقيا وفى الأرحاء طاحنا، ويحمل الغلّات مستقلا، والأثقال مستخفّا؛ فلا يؤوده عظيم، ولا يعجزه جسيم، ولا يجرى فى الحائط»

مع شقيقه، ولا فى الطريق مع رفيقه، إلا كان جلدا لا يسبق، ومبرّرا لا يلحق، وفائتا لا ينال شأوه وغايته، ولا يبلغ مداه ونهايته. ويشهد الله أنّ ما ساءه ساءنى، وما آلمه آلمنى، ولم يجز عندى فى حق ودّه استصغار خطب جلّ عنده، فأرقه وأمضّه وأقلقه، ولا تهوين صعب بلغ منه وأرمضه، وشفّه وأمرضه؛ فكتبت هذه الرقعة، قاضيا بها من الحق فى مصابه هذا بقدر ما أظهر من إكباره إياه، وأبان من إعظامه له؛ وأسأل الله تعالى أن يخصّه من المعوضة بأفضل ما خص به البشر، عن البقر، وأن يفرد هذه البهيمة العجماء بأثرة من الثواب، يضيفها إلى المكلّفين من أهل

الألباب؛ فإنها وإن لم تكن منهم، فقد استحقّت ألّا تفرد عنهم، بأن مسّ القاضى سببها، وصار إليه منتسبها، حتى إذا أنجز الله ما وعد به [عباده المؤمنين] من تمحيص سيئاتهم، وتضعيف حسناتهم، والإفضاء بهم إلى الجنة التى رضيها لهم دارا، وجعلها لجماعتهم قرارا؛ وأورد القاضى- أيّده الله تعالى- موارد أهل النعيم، مع أهل الصراط المستقيم، جاء وثوره هذا مجنوب معه، مسموح له به؛ وكما أنّ الجنة لا يدخلها الخبث، ولا يكون من أهلها الحدث، ولكنه عرق يجرى من أعراضهم، كذلك يجعل الله ثور القاضى مركبا من العنبر الشّخرى، وماء الورد الجورى؛ [فيصير ثورا له طورا؛ وجونة عطر له طورا] وليس ذلك بمستبعد ولا مستنكر، ولا مستصعب ولا متعذّر؛ إذ كانت قدرة الله بذلك محيطة، ومواعيده لأمثاله ضامنة، بما أعدّه الله فى الجنة لعباده الصادقين، وأوليائه الصالحين؛ من شهوات أنفسهم وملاذّ أعينهم، وما هو سبحانه مع غامر فضله وفائض كرمه، بمانعه ذلك مع صالح مساعيه، ومحمود شيمه؛ وقلبى متعلّق بمعرفة خبره، أدام الله عزّه فيما ادّرعه من شعار الصبر، واحتفظ به من إيثار الأجر، ورفع إليه من السكون لأمر الله تعالى فى الذى طرقه، والشكر له فيما أزعجه وأقلقه، فليعرفنى القاضى من ذلك ما أكون ضار با معه بسهم المساعدة عليه، وآخذا بقسط المشاركة فيه.

فصل من جواب أبى بكر: وصل توقيع سيدنا الوزير أطال الله بقاه، وأدام تأييده ونعماه، وأكمل رفعته وعلاه، وحرس مهجته ووقاه، بالتعزية عن الثور الأبيض، الذى كان للحرث مثيرا، وللدواليب مديرا، وبالسبق إلى سائر المنافع شهيرا، وعلى شدائد الزمان مساعدا وظهيرا. لعمرك لقد كان بعمله

ناهضا، ولحماقات البقر رافضا، وأنّى لنا بمثله وشرواه، ولا شروى له؛ فإنه كان من أعيان البقر، وأنفع أجناسه للبشر، مضاف ذلك إلى خلّات لولا خوفى من تجدّد الحزن عليه، وتهييج الجزع وانصرافه إليه لعددتها؛ ليعلم- أدام الله عزه- أن الحزين عليه غير ملوم. وكيف يلام امرؤ فقد من ماله قطعة يجب فى مثلها الزكاة، ومن خدم معيشته بهيمة تعين على الصوم والصلاة، وقد احتذيت ما مثّله الوزير من جميل الاحتساب، والصبر على المصاب؛ فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون قول من علم أنه أملك لنفسه وماله وأهله وأنه لا يملك شيئا دونه؛ إذ كان جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه، هو الملك الوهّاب، المرتجع ما ارتجع مما يعوض عليه نفيس الثواب. وقد وجدت- أيد الله الوزير- للبقر خاصة فضيلة على سائر بهيمة الأنعام، تشهد بها العقول والأفهام، وذكر جملة من فضائلها.

وكأنّ أبا نواس فى قوله:

ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم فى واحد
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

نظر فى هذا المعنى إلى قول جرير:

إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلّهم غضابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.