من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
بين عميلة الفزارى وأسيد بن عنقاء
وروى أبو بكر بن شقير النحوى عن أحمد بن عبيد قال:
كان أسيد بن عنقاء الفزارى من أكبر أهل زمانه، وأشدّهم عارضة ولسانا، وطال عمره، ونكبه دهره؛ فاختلّت حاله، فخرج يتبقل لأهله؛ فمرّ عليه عميلة الفزارى، فسلم عليه، وقال: يا عم؛ ما أصارك إلى ما أرى؟ قال: بخل مثلك بماله، وصون وجهى عن مسألة الناس. قال: أما والله لئن بقيت إلى غد لأغيرنّ من حالك ما أرى، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرهم بما قال عميلة، فقالوا له: غرّك كلام غلام جنح ظلام فكأنما ألقموا فاه حجرا؛ فبات متململا بين رجاء ويأس، فلما كان السّحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاء، وصهيل الخيل، ولجب الأموال، فقال: ما هذا؟
قالوا: عميلة قد ساق إليك ماله، فخرج ابن عنقاء له، فقسم ما له شطرين، وساهم عليه، فأنشأ ابن عنقاء يقول:
رآنى على ما بى عميلة فاشتكىإلى ماله حالى، أسرّ كما جهر
دعانى فواسانى، ولو ضنّ لم يلمعلى حين لا بدو يرجّى ولا حضر
فقلت له خيرا، وأثنيت فعلهوأوفاك ما أوليت من ذمّ أوشكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابهتردّى بثوب سابغ الذيل واتزر
غلام رماه الله بالحسن يافعاله سيمياء لا تشقّ على البصر
كأنّ الثريا علّقت فى جبينهوفى أنفه الشّعرى وفى خدّه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنهذليل بلا ذلّ، ولو شاء لانتصر
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع