من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من أخبار العباس بن الأحنف
وقال بشار بن برد: ما زال فتى من بنى حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها منا حتى قال:
نزف البكاء دموع عينك فاستعرعينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكى بهاأرأيت عينا للبكاء تعار؟!
قال: وهذا الذى عناه بشار هو أبو الفضل العباس بن الأحنف بن طلحة ابن هرون بن كلدة بن خزيم بن شهاب [بن سالم] بن حبة بن كليب بن عدى ابن عبد الله بن حنيفة، وكان كما قال بعض من وصفه: كان أحسن خلق الله إذا حدّث حديثا، وأحسنهم إذا حدث استماعا، وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف، وكان ملوكى المذهب، ظاهر النّعمة، حسن الهيئة، وكانت فيه آلات الظّرف، كان جميل الوجه، فاره المركب، نظيف الثّوب، حسن الألفاظ، كثير النوادر، رطيب الحديث، باقيا على الشراب، كثير المساعدة، شديد الاحتمال، ولم يكن هجّاء، ولا مدّاحا، كان يتنزّه عن ذلك، ويشبّه من المتقدمين بعمر بن أبى ربيعة.
وسئل أبو نواس عن العباس وقد ضمّهما مجلس فقال: هو أرق من الوهم، وأحسن من الفهم.
وكان أبو الهذيل العلاف المعتزلى إذا ذكره لعنه وزنّاه لأجل قوله:
وضعت خدّى لأدنى من يطيف بكمحتى احتقرت وما مثلى بمحتقر
إذا أردت انتصارا كان ناصركمقلبى، وما أنا من قلبى بمنتصر
فأكثروا أو أقلّوا من ملامكمفكلّ ذلك محمول على القدر
وقوله فى البيت الأوسط كقوله:
قلبى إلى ما ضرّنى داعىيكثر أسقامى وأوجاعى
لقلما أبقى على ما أرىيوشك أن ينعانى الناعى
كيف احتراسى من عدوى إذاكان عدوى بين أضلاعى
وقيل [لعنان] جارية الناطفى: من أشعر الناس؟ قالت: الذى يقول
وأهجركم حتى يقولوا: لقد سلاولست بسال عن هواك إلى الحشر
ولكن إذا كان المحب على الذىيحب شفيقا نازع الناس بالهجر
وقال [العباس]:
جرى السيل فاستبكانى السيل إذ جرىوفاضت له من مقلتىّ غروب
وما ذاك إلا أن تيقّنت أنهيمرّ بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهىإليكم تلقّى طيبكم فيطيب
فياساكنى شرقىّ دجلة كلكمإلى القلب من أجل الحبيب حبيب
وقال الصولى: ناظر أبو أحمد على بن يحيى المنجم رجلا يعرف بالمتفقه الموصلى فى العباس بن الأحنف والعتّابى، فعمل علىّ فى ذلك رسالة أنفذها لعلى بن عيسى؛ لأن الكلام فى مجلسه جرى. وكان مما خاطبه به أن قال:
ما أهّل نفسه قطّ العتّابى لتقديمها على العباس فى الشعر، ولو خاطبه مخاطب لدفعه وأنكره؛ لأنه كان عالما لا يؤتى من قلة معرفة بالشعر، ولم أر أحدا من العلماء بالشعر مثل العتّابى والعباس، فضلا عن تقديم العتّابى عليه لتباينهما [فى ذلك]، وإن العتابى متكلف، والعباس يتدفّق طبعا؛ وكلام هذا سهل عذب، وكلام ذاك متعقّد كزّ، وفى شعر هذا رقّة وحلاوة، وفى شعر ذاك غلظ وجساوة، وشعر هذا فى فنّ واحد وهو الغزل؛ وأكثر فيه وأحسن، وقد افتنّ العتّابى فلم يخرج فى شىء منه عمّا وصفناه.
وإن من أحسن شعر العتابى قصيدته التى مدح بها الرشيد وأولها:
يا ليلة لى فى حوران ساهرةحتى تكلّم فى الصبح العصافير
وقال فيها:
أفى الأماقى انقباض عن جفونهماأم فى الجفون عن الآماق تقصير
وهذا البيت أخذه من قول بشار الذى أحسن فيه كل الإحسان وهو قوله:
جفت عينى عن التغميض حتّىكأنّ جفونها عنها قصار
فمسخه العتابى، على أن بشارا أخذه من قول جميل:
كأنّ المحبّ لطول السّهادقصير الجفون ولم تقصر
إلا أن بشارا أحسن فيه؛ فنازعهما إياه فأساء، وإنّ حقّ من أخذ معنى قد سبق إليه أن يصنعه أجود من صنعة السابق إليه، أو يزيد عليه، حتى يستحقه، وأما إذا قصّر عنه فهو مسىء معيب بالسرقة، مذموم على التقصير.
ولقد هاجى أبا قابوس النصرانىّ فغلّب عليه فى كثير مما جرى بينهما على ضعف منّة أبى قابوس فى الشعر، ثم قال فى هذه القصيدة:
ماذا عسى مادح يثنى عليك وقدناداك بالوحى تقديس وتطهير
فتّ الممادح إلّا أنّ ألسننامستعلنات بما تخفى الضمائير
فختم البيت فيها بأثقل لفظة لو وقعت فى البحر لكدّرته، وهى صحيحة، وما شىء أملك بالشعر بعد صحّة المعنى من حسن صحّة اللفظ، وهذا عمل التكلف، وسوء الطبع.
وللعباس بن الأحنف إحسان كثير، ولو لم يكن إلا قوله:
أنكر الناس ساطع المسك من دجلةقد أوسع المشارع طيبا
فهم يعجبون منه وما يدرون أن قد حللت منه قريبا
قاسمينى هذا البلاء، وإلّافاجعلى لى من التعزّى نصيبا
إنّ بعض العتاب يدعو إلى العتب، ويؤذى به المحبّ الحبيبا
وإذا ما القلوب لم تضمر العطف فلن يعطف العتاب القلوبا
وقوله:
قالت مرضت فعدتها فتبرّمتوهى الصحيحة والمريض العائد
تالله لو أنّ القلوب كقلبهاما رقّ للولد الصغير الوالد
إن كان ذنبى فى الزيارة فاعلمىإنى على كسب الذنوب لجاهد
ألقيت بين جفون عينى فرقةفإلى متى أنا ساهر يا راقد
يقع البلاء وينقضى عن أهلهوبلاء حبّك كلّ يوم زائد
سمّاك لى ناس وقالوا: إنهالهى التى تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهمإنى ليعجبنى المحبّ الجاحد
وقوله:
إنى وإن كنت قد أسأت بى اليوم لراج للعطف منك غدا
أستمتع الله بالرجاء وإنلم أر منكم ما أرتجى أبدا
وله:
أهدى له أحبابه أترجّةفبكى وأشفق من عيافة زاجر
متطيرا منها أتته وجسمهالونان باطنها خلاف الظّاهر
ولئن وفّى أبو أحمد العباس حقّه، لقد ظلم العتّابى ما كان مستحقه، من سر الكلام، وجودة رصف النظام. قال الصولى فى نسب العباس- وكان من
خؤولته-: هو العباس بن الأحنف بن الأسود بن قدامة بن هيمان من بنى [هفّان بن الحارث بن] ذهل بن [الديل بن] حنيفة. وله يقول الصريع يهجوه:
بنو حنيفة لا يرضى الدّعىّ بهمفاترك حنيفة واطلب غيرها نسبا
اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهمإنى أرى لك لونا يشبه العربا
وقال [أبو أحمد: قال] العباس:
حرّ دعاه الهوى سرّا فلباهطوعا فأضحك مولاه وأبكاه
فشاهدت بالذى يخفى لواحظهوعدّلتها بفيض الدمع عيناه
جازيتنى إذ رعيت الودّ بعدك أنوكّلت طرفى بنجم الليل يرعاه
الله يشهد أنى لم أخنك هوىكفاك بيّنة أن يشهد الله
وقال:
يا من يكاتمنى تغيّر قلبهسأكفّ نفسى قبل أن تتبرما
وأصدّ عنك وفى يدىّ بقيّةمن حبل ودّك قبل أن يتصرّما
يا للرجال لعاشقين تواقفاوتخاطبا من غير أن يتكلما
حتى إذا خافا العيون وأشفقاجعلا الإشارة بالأنامل سلّما
وقال:
الله يعلم ما أردت بهجركمإلّا مساترة العدوّ الكاشح
وعلمت أن تستّرى وتباعدىأبقى لوصلك من دنوّ فاضح
وقال:
يهيم بحرّان الجزيرة قلبهوفيها غزال فاتر الطّرف ساحره
بؤازره قلبى علىّ وليس لىيدان بمن قلبى علىّ يؤازره
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع