تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من ترجمة الخنساء، وليلى الأخيلية

والخنساء اسمها تماضر بنت عمرو [بن الحارث] بن الشريد بن رياح بن [يقظة بن عصيّة بن خفاف] بن امرئ القيس، وتكنى أم عمرو، ومصداق ذلك قول أخيها [صخر]:

أرى أمّ عمرو لا تملّ عيادتىوملّت سليمى مضجعى ومكانى

سليمى: امرأته، وإنما لقبت الخنساء كناية عن الظبية، وكذلك [تسميتهم] الذلفاء. والذلف: قصر فى الأنف؛ وإنما يريدون به أيضا أن ذلك من صفات الظباء، وهى أشعر نساء العرب عند كثير من الرّواة؛ وكان الأصمعى يقدم ليلى الأخيلية، وهى ليلى بنت عبد الله بن كعب بن ذى الرحالة بن معاوية بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقيل لها الأخيلية لقول جدها كعب:

نحن الأخايل ما يزال غلامناحتى يدبّ على العصا مذكورا
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

قال أبو زيد: [هذا البيت لها فسمّيت به، وليلى أغزر بحرا]، وأكثر تصرفا، وأقوى لفظا؛ والخنساء أذهب فى عمود الرثاء.

قال المبرد: كانت الخنساء وليلى الأخيلية فى أشعارهما متقدمتين لأكثر الفحول، وقلما رأيت امرأة تتقدّم فى صناعة، وإن قل ذلك، فالجملة ما قال الله تعالى:

«أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ».

ومن أحسن المرائى ما خلط فيه مدح بتفجع على المرثى، فإذا وقع ذلك بكلام صحيح، ولهجة معربة، ونظام غير متفاوت، فهو الغاية من كلام المخلوقين.

واعلم أن من أجلّ الكلام قول الخنساء:

يا صخر ورّاد ماء قد تناذرهأهل المياه فما فى ورده عار
مشى السّبنتى إلى هيجاء معضلةلها سلاحان أنياب وأظفار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»
وما عجول على بوّ تطيف بهلها حنينان إعلان وإسرار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»
ترتع فى غفلة حتى إذا ادّكرتفإنما هى إقبال وإدبار
يوما بأوجع منى حين فارقنىصخر، وللعيش إحلاء وإمرار
لم تره جارة يمشى بساحتهالريبة حين يخلى بيته الجار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

قال: ومن كامل قولها:

فلولا كثرة الباكين حولىعلى إخوانهم لقتلت نفسى
وما يبكون مثل أخى، ولكنأسلّى النفس عنه بالتأسّى
للشاعر عبد الجليل الطباطبائي، اقرأ القصيدة
يذكّرنى طلوع الشمس صخراوأذكره لكلّ غروب شمس
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

يعنى أنّها تذكره أول النهار للغارة، ووقت المغيب للأضياف.

وقد قال ابن الرومى فيما يتعلق بطرف من هذا المعنى:

رأيت الدهر يجرح ثم يأسوويوسى أو يعوض أو ينسّى
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ترحل من هويت وكل شمس»
أبت نفسى الهلاع لرزء شىءكفى شجوا لنفى رزء نفسى
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ترحل من هويت وكل شمس»
أتجزع وحشة لفراق إلفوقد وطنتها لحلول رمس

وقد أنكر على من تعلّل بالتأسى بما قال غيره، فقال فى ذلك:

خليلىّ قد علّلتمانى بالاسىفأنعمتما لو أننى أتعلّل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خليلي قد عللتماني بالأسى»
أللناس آثارى، وإلّا فما الأسىوعيشكما إلّا ضلال مضلّل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خليلي قد عللتماني بالأسى»
وما راحة المرزوء فى رزء غيرهأيحمل عنه بعض ما يتحمّل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خليليّ قد علَّلتماني بالأسى»
كلا حاملى عبء الرزية مثقلوليس معينا مثقل الظّهر مثقل
وضرب من الظلم الخفىّ مكانهتعزّيك بالمرزوء حين تأمّل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خليلي قد عللتماني بالأسى»
لأنك يأسوك الذى هو كلمهبلا بصر لو أن جورك يعدل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خليلي قد عللتماني بالأسى»

وقالت الخنساء:

وقائلة والنعش قد فات خطوهالتدركه يا لهف نفسى على صخر
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني هلا تبكيان على صخر»
ألا ثكلت أمّ الذين غدوا بهإلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر؟!
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
وماذا يوارى القبر تحت ترابهمن الجود يا بؤس الحوادث والدهر
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني هلا تبكيان على صخر»
فشان المنايا إذ أصابك ريبهالتغد على الفتيان بعدك أو تسرى
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني هلا تبكيان على صخر»

وهذا المعنى كثير قد مرّت منه قطعة جيدة، ولم تزل الخنساء تبكى على أخويها صخر ومعاوية، حتى أدركت الإسلام؛ فأقبل بها بنو عمّها وهى عجوز كبيرة إلى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! هذه الخنساء،

وقد قرّحت آماقها من البكاء فى الجاهلية والإسلام، فلو نهيتها لرجونا أن تنتهى، فقال لها عمر رضى الله عنه: اتقى الله وأيقنى بالموت، قالت: أبكى أبى وخير بنى مضر صخرا ومعاوية، وإنّى لموقنة بالموت، قال: أتبكين عليهم وقد صاروا جمرة فى النار؟ قالت: ذلك أشدّ لبكائى عليهم! فرقّ لها عمر وقال: خلّوا عن عجوزكم لا أبا لكم! فكل امرىء يبكى شجوه، ونام الخلىّ عن بكاء الشجى.

وكان عمرو بن الشريد يأخذ بيد ابنيه معاوية وصخر فى الموسم، ويقول:

أنا أبو خيرى مضر، فمن أنكر فليغيّر، فلا يغير ذلك عليه أحد، وكان يقول:

من أتى بمثلهما أخوين من قبل فله حكمه، فتقرّ له العرب بذلك.

وكان النبى ﷺ يقول: أنا ابن الفواطم من قريش، والعواتك من سليم، وفى سليم شرف كثير.

وكان يقال لمعاوية: فارس الجون، والجون من الأضداد، يقال للأسود والأبيض، وقتلته بنو مرّة، قتله هاشم بن حرملة، فطلبه دريد بن الصّمّة حتى قتله، وأما صخر فغزا أسد بن خزيمة فأصاب فيهم، وطعنه ثور ابن ربيعة الأسدى، فأدخل فى جوفه حلقا من الدرع فأندمل عليه، فنتأت قطعة من جنبه مثل اليد، فمرض لها حولا، ثم أشير عليه بقطعها، فأحموا له شفرة ثم قطعوها، فما عاش إلا قليلا.

ومن جيد شعر ليلى الأخيلية ترثى توبة بن الحمير الخفاجى، وكان لها محبّا، وله فيها شعر كثير، وقتله بنو عوف بن عقيل، قتله عبد الله بن سالم:

نظرت وركن من عماية دونناوأركان جسمى أىّ نظرة ناظر
فآنست خيلا بالرقىّ مغيرةسوابقها مثل القطا المتواتر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فإن تكن القتلى بواء فإنكمفتى ما قتلتم آل عوف بن عامر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فلا يبعدنك الله يا توب إنمالقاء المنايا دارعا مثل حاسر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
أتته المنايا بين درع حصينةوأسمر خطى وجرداء ضامر
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخقلائص بفحصن الحصى بالكراكر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
ولم يدع يوما للحفاظ وللنّهىوللحرب ترمى نارها بالشّرائر
وللبازل الكوماء يرغو حوارهاوللخيل تعدو بالكماة المساعر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فتى لا تخطّاه الرّفاق، ولا يرىلقدر عيالا دون جار مجاور
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فتى كان أحيا من فتاة حييّةوأشجع من ليث بخفّان خادر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فتى لا تراه النّاب إلفا لسقبهاإذا اختلجت بالناس إحدى الكبائر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
وكنت إذا مولاه خاف ظلامةأتاك فلم يقنع سواك بناصر
وقد كنت مرهوب السّنان وبيّن اللّسان ومدلاج السّرى غير فاتر
ولا تأخذ الكوم الجلاد سلاحهالتوبة فى حدّ الشتاء الصّنابر

وقال بعض الرواة: بينا معاوية يسير إذ رأى راكبا، فقال لبعض شرطه:

ائتنى به وإياك أن تروعه. فأتاه فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: إياه أردت، فلما دنا الراكب حدر لثامه فإذا ليلى الأخيلية، فأنشأت تقول:

معاوى لم أكد آتيك تهوىبرحلى نحو ساحتك الركاب
تجوب الأرض نحوك ما تأنّىإذا ما الأكم قنعها السّراب
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
وكنت المرتجى وبك استغاثتلتنعشها إذا بخل السحاب
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

قال: فقال: ما حاجتك؟ قالت: ليس مثلى يطلب إلى مثلك حاجة، فتخيّر أنت! فأعطاها خمسين من الإبل؛ ثم قال: أخبرينى عن مضر، قالت:

فاخر بمضر، وحارب بقيس، وكاثر بتميم، وناظر بأسد، فقال: ويحك يا ليلى! أكما يقول الناس كان توبة؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ليس كل الناس يقول حقا، الناس شجرة بغى، يحسدون النّعم حيث كانت، وعلى من كانت؛ كان يا أمير المؤمنين سبط البنان، حديد اللسان، شجى الأقران، كريم المخبر، عفيف المئزر، جميل المنظر، وكان كما قلت، ولم أتعدّ الحق فيه:

بعيد الثّرى لا يبلغ القوم قعرهألدّ ملدّ يغلب الحقّ باطله
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فقال معاوية: ويحك يا ليلى! يزعم الناس أنه كان عاهرا خاربا، فقالت من ساعتها مرتجلة:

معاذ إلهى كان والله توبةجوادا على العلّات جمّا نوافله
أغرّ خفاجيّا يرى البخل سبةتحالف كفّاه النّدى وأنامله
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
عفيفا بعيد الهمّ صلبا قناتهجميلا محيّاه قليلا غوائله
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
وكان إذا ما الضيف أرغى بعيرهلديه أتاه نيله وفواضله
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
وقد علم الجوع الذى كان سارياعلى الضيف والجيران أنك قاتله
وأنك رحب الباع يا توب بالقرىإذا ما لئيم القوم ضاقت منازله
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
يبيت قرير العين من كان جارهويضحى بخير ضيفه ومنازله

فقال لها معاوية: ويحك يا ليلى! لقد جزت بتوبة قدره، فقالت:

يا أمير المؤمنين. والله لو رأيته وخبرته لعلمت أنى مقصرة فى نعته، لا أبلغ كنه ما هو له أهل. فقال لها معاوية: فى أى سنّ كان؟ فقالت: يا أمير المؤمنين:

أتته المنايا حين تمّ تمامهوأقصر عنه كلّ قرن يناضله
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
وصار كليث الغاب يحمى عرينهفترضى به أشباله وحلائله
عطوف حليم حين يطلب حلمهوسمّ ذعاف لا تصاب مقاتله

فأمر لها بجائزة، وقال: أى ما قلت فيه أشعر؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ما قلت شيئا إلّا والذى فيه من خصال الخير أكثر، ولقد أجدت حيث أقول:

جزى الله خيرا والجزاء بكفّهفتى من عقيل ساد غير مكلّف
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فتى كانت الدنيا تهون بأسرهاعليه فلم ينفكّ جمّ التّصرّف
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
ينال عليات الأمور بهونةإذا هى أعيت كلّ خرق مسوّف
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
هو المسك بالأرى الضحاكى شبتهبدرياقة من خمر بيسان قرقف

ويقال: إنها دخلت على مروان بن الحكم فقال: ويحك يا ليلى! أكما نعتّ توبة كان؟ قالت: أصلح الله الأمير! والله ما قلت إلا حقا، ولقد قصرت، وما رأيت رجلا قطّ كأن أربط على الموت جأشا، ولا أقلّ انحياشا حين تحتدم براكاء الحرب، ويحمى الوطيس بالطّعن والضرب، كان والله كما قلت:

فتى لم يزل يزداد خيرا لدن نشاإلى أن علاه الشّيب فوق المسايح
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
تراه إذا ما الموت حلّ بوردهضروبا على أقرانه بالصفائح
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
شجاع لدى الهيجاء ثبت مشايحإذا انحاز عن أقرانه كلّ سابح
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فعاش حميدا لا ذميما فعالهوصولا لقرباه يرى غير كالح
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فقال لها مروان: كيف يكون توبة على ما تقولين وكان خاربا؟ «والخارب سارق الإبل خاصة»، فقالت: والله ما كان خاربا، ولا للموت هائبا، ولكنه

كان فتى له جاهلية، ولو طال عمره وأنسأه الموت لارعوى قلبه، ولقضى فى حب الله نحبه، وأقصر عن لهوه، ولكنه كما قال ابن عمه مسلمة بن زيد:

فلله قوم غادروا ابن حميّرقتيلا صريعا للسيوف البواتر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لقد غادروا حزما وعزما ونائلاوصبرا على اليوم العبوس القماطر
إذا هاب ورد الموت كلّ غضنفرعظيم الحوايا لبّه غير حاضر
مضى قدما حتى يلاقى وردهوجاد بسيب فى السنين القواشر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فقال لها مروان: يا ليلى، أعوذ بالله من درك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، فوالله لقد مات توبة، وإن كان من فتيان العرب وأشدائهم، ولكنه أدركه الشقاء، فهلك على أحوال الجاهلية، وترك لقومه عداوة.

ثم بعث إلى ناس من عقيل فقال: والله لئن بلغنى عنكم أمر أكرهه من جهة توبة لأصلبنكم على جذوع النخل، إياكم ودعوى الجاهلية، فإن الله قد جاء بالإسلام، وهدم ذلك كله.

وروى أبو عبيدة عن محمد بن عمران المرزبانى قال: قال أبو عمرو بن العلاء الشيبانى: قدمت ليلى الأخيلية على الحجاج بن يوسف وعنده وجوه أصحابه وأشرافهم، فبينا هو جالس معهم إذ أقبلت جارية فأشار إليها وأشارت إليه؛ فلم تلبث أن جاءت جارية من أجمل النساء وأكملهن، وأتمهن خلقا، وأحسنهن محاورة؛ فلما دنت منه سلّمت ثم قالت: أتأذن أيها الأمير؟ قال: نعم، فأنشدت:

أحجّاج إن الله أعطاك غايةيقصّر عنها من أراد مداها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
أحجّاج لا يفلل سلاحك إنما المنايا بكفّ الله حيث يراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
إذا ورد الحجاج أرضا مريضةتتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العياء الذى بهاغلام إذا هزّ القناة ثناها
إذا سمع الحجاج صوت كتيبةأعدّ لها قبل النزول قراها
أعدّ لها مصقولة فارسيّةبأيدى رجال يحلبون صراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

حتى أتت على آخرها. فقال الحجاج لمن عنده: أتعرفون من هذه؟ قالوا:

ما نعرفها، ولكن ما رأينا امرأة أطلق لسانا منها، ولا أجمل وجها، ولا أحسن لفظا، فمن هى أصلح الله الأمير؟ قال: هى ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير التى يقول فيها:

ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمتعلىّ ودونى جندل وصفائح
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «ألا هل فؤادي عن صبا اليوم صافح»
لسلّمت تسليم البشاشة أوزقاإليها صدى من جانب القبر صائح
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «ألا هل فؤادي عن صبا اليوم صافح»

ثم قال لها: يا ليلى، أنشدينا بعض ما قاله فيك توبة، فأنشدته:

نأتك بليلى دارها لا تزورهاوشطّت نواها واستمرّ مريرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعتوقد رابنى منها الغداة سفورها
للشاعر ابن شهاب العلوي، اقرأ القصيدة
علىّ دماء البدن إن كان زوجهايرى لى ذنبا غير أنى أرورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
وأنى إذا ما زرتها قلت: يا اسلمىفهل كان فى قولى اسلمى ما يصيرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
حمامة بطن الواديين ترنمىسقاك من الغرّ الغوادى مطيرها
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت»
أبينى لنا لا زال ريشك ناعماولا زلت فى خضراء دان بريرها
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت»
وقد تذهب الحاجات يطلبها الفتىشعاعا وتخشى النفس ما لا يضيرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
أيذهب ريعان الشباب ولم أزرعرائر من همدان بيضا نحورها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
ولو أن ليلى فى ذرى متمنّعبنجران لالتفّت علىّ قصورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
يقرّ بعينى أن أرى العيس ترتمىبنا نحو ليلى وهى تجرى صقورها
وأشرف بالغور اليفاع لعلنىأرى نار ليلى أو يرانى بصيرها
أرتنا حمام الموت ليلى، وراقناعيون نقيّات الحواشى تديرها

حتى أنت على آخرها. فقال: يا ليلى، ما رابه من سفورك؟ فقالت: أيها الأمير؛ ما رآنى قظ إلا متبرقعة، فأرسل إلىّ رسولا إنه ملمّ بنا، فنظر أهل الحىّ رسوله فأعدّوا له وكمنوا؛ ففطنت لذلك من أمرهم، فلما جاء ألفيت برقعى وسفرت فأنكر ذلك، فما زاد على التسليم وانصرف راجعا. فقال لها الحجاج: لله درك! فهل كانت بينكما ريبة قط؟ قالت: لا والذى أسأله صلاحك، إلا أنى رأيت أنه قال قولا فظننت أنه خضع لبعض الأمر، فقلت:

وذى حاجة قلنا له: لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لنا صاحب لا ينبغى أن نخونهوأنت لأخرى صاحب وخليل

فما كلمنى بشىء بعد ذلك حتى فرّق الموت بينى وبينه. فقال لها: حاجتك! قالت: أن تحملنى إلى قتيبة بن مسلم على البريد إلى خراسان، فحملها فاستظرفها قتيبة ووصلها، ثم رجعت فماتت بساوة، وقبرها هناك.

وروى المبرد أنها لما أنشدته الأبيات «أحجاح إن الله أعطاك» .. إلى قولها «غلام إذا هز القناة ثناها» قال لها: لا تقولى غلام، ولكن قولى: همام، ثم قال لها:

أى نسائى أحبّ إليك أن أنزلك عندها؟ قالت: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال:

أم الجلاس بنت سعيد بن العاص الأموية، وهند بنت أسماء بن خارجة الفزارية، وهند بنت المهلب بن أبى صفرة العتكية. قالت: هذه أحب إلى. فلما كان الغد دخلت إليه فقال: يا غلام أعطها خمسمائة. قالت: أيها الأمير، اجعلها أدما.

قيل لها: إنما أمر لك بشاء، فقالت: الأمير أكرم من ذلك؛ فجعلها إبلا أدما استحياء؛ وإنما كان أمر لها بشاء [أولا، والأدم أكرمها].

وأول هذا الحديث عن رجل من بنى عامر بن صعصعة يقال له ورقاء قال:

كنت عند الحجاج فدخل الآذن فقال: أصلح الله الأمير! بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير النادّ. قال: أدخلها، فلما دخلت نسبها فانتسبت له. فقال:

ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم، وقلّة الغيوم، وكلّب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرّفد.

قال لها: أخبرينى عن الأرض. قالت: الأرض مغبرّة، والفجاج مقشعرّة، وأصابتنا سنون مجحفة مظلمة، لم تدع لنا هبعا ولاربعا، ولا عافطة ولا نافطة أهلكت الرجال، ومزّقت العيال، وأفسدت الأموال، وأنشدت الأبيات التى مضت آنفا؛ فالتفت الحجاج [إلى أصحابه]. وقال: هل تعرفون هذه؟ قالوا:

لا. قال: هذه ليلى الأخيلية التى تقول:

نحن الأخايل لا يزال غلامناحتى يدبّ على العصا مذكورا
تبكى الرماح إذا فقدن أكفّناحزنا وتلقانا الرّفاق؟؟؟. ورا

وفى آخر حديثها قال لها: أنشدينا بعض شعرك، فأنشدته:

لعمرك ما بالموت عار على الفتىإذا لم تصبه فى الحياة المعاير
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
ومن كان مما يحدث الدهر جازعافلابدّ يوما أن يرى وهو صابر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فلا يبعدنك الله يا توب هالكالدى الحرب إن دارت عليك المقادر
فكل جديد أو شباب إلى بلىوكل امرئ يوما إلى الله صائر
وكل قرينى ألفة لتفرّقشتات وإن ضنّا وطال التّعاشر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فأقسمت أبكى بعد توبة هالكاوأحفل من دارت عليه الدوائر

فقال الحجاج لصاحب له: اذهب بها فاقطع عنى لسانها، فدعا لها بالحجام ليقطع لسانها. فقالت له: ويحك! إنما قال لك الأمير: اقطع لسانى بالعطاء، فارجع إليه فاسأله، فسأله فاستشاط غيظا، وهمّ بقطع لسانه، [ثم أمر بها فأدخلت] فقالت: أيها الأمير، كاد يقطع مقولى، وأنشدته:

حجّاج أنت الذى ما فوقه أحدإلا الخليفة والمستغفر الصّمد
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحتوأنت للناس نور فى الدّجا يقد

احتذى الحجاج فى قوله: «اقطع لسانها» قول النبى ﷺ لما أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين فسخطها وقال:

أتجعل نهيى ونهب العبيدبين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابسيفوقان مرداس فى مجمع
وما كنت إلا امرأ منهمومن تضع اليوم لا يرفع

العبيد: اسم فرسه، وحصن [الذى ذكره] هو أبو عيينة بن حصن بن حذيفة ابن بدر سيد فزارة، وحابس: أبو الأقرع بن حابس، وقد تقدم نسبه- فأمر النبى ﷺ بإحضاره، فقال: أنت القائل:

أتجعل نهبى ونهب العبيدبين الأقرع وعيينة

وكان النبى ﵊ كما قال الله ﷿: «وما علّمناه الشّعر وما ينبغى له». فقال: قم يا على فاقطع لسانه. قال العباس: فقلت: يا علىّ؛

وإنك لقاطع لسانى؟ قال: إنى ممض فيك ما أمرت، فمضى بى حتى أدخلنى الحظائر، فقال: اعتدّ ما بين الأربعين إلى مائة، قلت: بأبى أنت وأمى! ما أحلمكم وأعلمكم وأعدلكم وأكرمكم! فقال: إن رسول الله ﷺ أعطاك أربعين، وجعلك من المهاجرين [فإن شئت] فخذها، وإن شئت فخذ مائة، وكن من المؤلّفة قلوبهم. فقلت: أشر علىّ. فقال: إنى آمرك أن تأخذ ما أعطاك. فأخذتها.

وكانت ليلى الأخيلية قد حاجّت النابغة الجعدى فأفحمته.

ودخلت على عبد الملك ابن مروان وقد أسنّت فقال: ما رأى توبة فيك حتى أحبك؟ قالت: رأى فىّ ما رأى الناس فيك حين ولّوك! فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.