تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من رسائل بديع الزمان (٢)

وسأل البديع أبا نصر بن المرزبان- عارية- بعض ما يتجمّل به، فأمسك عن إجابته؛ فأعاد الكتاب إليه بما نسخته:

لا أزال- أطال الله تعالى بقاء مولانا الشيخ! - لسوء الانتقاد، وحسن الاعتقاد، أمسح جبين الخجل، وأمدّ يمين العجل، ولضعف الحاسّة، فى الفراسة، أحسب الورم شحما، والسراب شرابا، حتى إذا تجشمت موارده، لأشرب بارده، لم أجد شيئا.

وما حسبت الشيخ سيدى ممن تعنيه هذه الجملة حتى عرضت على النار عوده، ونشرت بالسؤال جوده، وكإتبته أستعيره حلية جمال، سحابة يوم أو شطره، بل مسافة ميل أو قدره، فعاص فى الفطنة غوصا عميقا، ونظر فى الكيس

نظرا دقيقا، وقال: هذا رجل مشحوذ المدية، فى أبواب الكدية، قد جعل استعارة الأعلاق طريق افتراسها، وسبب احتباسها، وقد منّى ضرسه، وحدّث بالمحال نفسه، ولا لطيفة فى هذا الباب، أحسن من التغافل عن الجواب، فضلا عن الإيجاب، وكلا فما فى أبواب الردّ أقبح مما قرع، ولا فى شرائع البخل أوحش مما شرع؛ ثم العذر له من جهتى مبسوط إن بسطه الفضل، ومقبول إن قبله المجد، وإنما كاتبته لأعيد الحال القديمة، وأشرط له على نفسى أن أريحه من سوم الحاجات من بعد، فمن لم يستحى من «أعطنى»، لم يستحى له من «أعفنى»؛ وعلى حسب جوابه أجرى المودة فيما بعد، فإن رأى أن يجيب فعل إن شاء الله.

وله إلى سهل بن محمد بن سليمان:

أنا إذا طويت عن خدمة مولاى- أطال الله بقاءه- يوما لم أرفع له بصرى، ولم أعدّه من عمرى، وكأنى بالشيخ- أعزه الله- إذا أغفلت مفروض خدمته، من قصد حضرته، والمثول فى حاشيته، وجملة غاشيته، يقول: إن هذا الجائع لمّا شبع تضلّع، واكتسى وتلفّع، وتجلّل، وتبرقع، تربّع وترفّع، فما يطوف بهذا الجناب، ولا يظهر بهذا الباب؛ وأنا الرجل الذى آواه من قفر، وأغناه من فقر، وآمنه من خوف، إذ لا حرّ بوادى عوف؛ حتى إذا وردت عليه رقعتى هذه، وأعارها طرف كرمه، وظرف شيمه، ونظر فى عنوانها اسمى قال: بعدا وسحقا، [وسبّا وتبّا] وحتّا ونحتا، وطعنا ولعنا، فما أكذب سراب أخلاقه، وأكثر أسراب نفاقه، فالآن انحلّ من عقدته، وانتبه من رقدته وكاتبنى يستعيدنى، كلّالا أزوّجه الرّضا ولا قلامة، ولا أمنحه المنى ولا كرامة، بل أدعه يركب راسه، ويقاسى أنفاسه، فستأتينى به الليالى، والكيس الخالى، ثم أريه ميزان قدره، وأذيقه وبال أمره، حتى

إذا بلغ موضع الحاجة من الرقعة قال: مأربة لا حفاوة، ووطر ساقه، لا نزاع شاقه، فهذا بذا، ولا أبعد من تلك الهمم العالية، والأخلاق السامية أن يقول: مرحبا بالرّقعة وكاتبها، وأهلا بالمخاطبة وصاحبها [وقضاء الحاجة بإنحائها، وإبرازها، وهى الرقعة التى سالت إلى من التمسته، كما اقترحته بما طالبته، فرأيه فيه موفق إن شاء الله تعالى].

وله أيضا إلى بعض الرؤساء يسأله إطلاق محبوس [بسببه].

الشيخ- أطال الله بقاءه- إذا وصل يدى بيده لم ألمس الجوزاء، إلا قاعدا، وقد ناطها منّة فى عنق الدهر، وصاغها إكليلا لجبين الشّكر. وما أقصر يدى عن الجزاء، ولسانى عن الثناء. وهذا الجاهل قد عرف نفسه، وقلع ضرسه، ورأى ميزان قدره، وذاق وبال أمره، وجهز إلىّ كتيبة عجائز عاجزات؛ فأطلقن العويل والأليل، وبعثننى شفيعا إلى، واستعنّ بى علىّ، وتوسّلن بكلمة الاستسلام، ولحمة الإسلام، فى فكّ هذا الغلام؛ فإن أحبّ الشيخ أن يجمع فى الطّول بين الحوض والكوثر، وينظم فى الفضل ما بين الروض والمطر، شفّع فى إطلاقه مكارمه، وشرّف بذلك خادمه، وأنجزنا بالإفراج عنه، موفّقا إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.