تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من قولهم فى الرثاء

وقال أبو الشيص يرثى [قتيلا]:

ختلته المنون بعد اختيالبين صفّين من قنا ونصال
فى رداء من الصفيح صقيلوقميص من الحديد مذال

وقال حارثة بن بدر الغدانى يرثى زيادا:

صلّى الإله على قبر وطهّرهعند الثويّة يسفى فوقه المور
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
تهدى إليه قريش نعش سيّدهافثمّ حلّ الندى والعزّ والخير
أبا المغيرة والدنيا مفجّعةوإنّ من غرّت الدنيا لمغرور
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
قد كان عندك للمعروف عارفةوكان عندك للنّكراء تنكير
وكنت تغشى فتعطى المال من سعةفالآن بابك أمسى وهو مهجور
ولا تلين إذا عوشرت معتسراوكان أمرك ما يوسرت ميسور
لم يعرف الناس مذغيّبت فتيتهمولم يجلّ ظلاما عنهم نور
فالناس بعدك قد خفّت حلومهمكأنما نفّخت فيها الأعاصير

أخذ هذا البيت من قول مهلهل بن ربيعة فى أخيه كليب، وكان إذا انتدى لم تحلّ حبوته، ولم ينطق أحد إلا مجيبا له، إجلالا ومهابة:

أنبئت أن النار بعدك أوقدتواستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتحدثوا فى أمر كلّ عظيمةلو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا

وكان حارثة ذا بيان وجهارة [وأدب]، وكان شاعرا عالما بالأخبار [والأنساب]، وكان قد غلب على زياد، وكان حارثة منهوما فى الشراب، فعوتب زياد فى الاستئثار به، فقال: كيف أطّرح رجلا يسايرنى مذ دخلت العراق، ولم يصكك ركابه ركابى، ولا تقدّمنى فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عنى فلويت عنقى إليه، ولا أخذ علىّ الشمس فى شتاء قط، ولا الرّوح فى صيف، ولا سألته عن باب فى العلم إلا قدّرت أنه لا يحسن غيره.

وقال له زياد: من أخطب؟ أنا أم أنت؟ فقال: الأمير أخطب إذا توعّد

أو وعد، وبرق ورعد، وأنا أخطب فى الوفادة، والثناء، والتحبير، وأنا أكذب إذا خطبت، وأحشو كلامى بزيادات [مليحة] شهيّة، والأمير يقصد إلى الحق، وميزان العدل، ولا يزيد فى كلامه، ولا ينقص منه.

فقال له زياد: [قاتلك الله!] لقد أجدت تخليص صفتى وصفتك.

ولما مات زياد جفاه عبيد الله [ابنه]، فقال [له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبى المغيرة؟ فقال له عبيد الله]: إن أبا المغيرة بلغ مبلغا لا يلحقه فيه عيب، وأنا أنسب إلى من يغلب علىّ، وأنت تديم الشراب، وأنا حديث السن؛ فمتى قرّبتك فظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظنّ بى [ذلك]، فدع الشراب وكن أول داخل وآخر خارج.

فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرى ونفعى، أأدعه للحال عندك؟

ولكن صرّفنى فى بعض أعمالك. فولّاه سرّق من بلاد الأهواز.

وقال أبو الأسود الدؤلى، وكان صديقا لحارثة:

أحار بن بدر قد وليت ولايةفكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تدعن للناس شيئا تصيبهفحظّك من ملك العراقين سرّق
فما الناس إلا قائل فمكذبيقول بما يهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا بظنّ وتهمةفإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا

فقال له حارثة:

جزاك إله العرش خير جزائهفقد قلت معروفا وأوصيت كافيا
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
أمرت بشىء لو أمرت بغيرهلألفيتنى فيه لأمرك عاصيا

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.