من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من اعتلال الطفيليين، وحيلهم
عوتب طفيلى على التطفيل فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا نصبت الموائد إلا لتؤكل، وإنى لأجمع فيها خلالا؛ أدخل مجالسا، وأقعد مؤانسا، وأنبسط وإن كان ربّ الدار عابسا؛ ولا أتكلّف مغرما، ولا انفق درهما، ولا أتعب خادما.
وقال ابن الدراج الطفيلى لأصحابه: لا يهولنّكم إغلاق الباب، ولا شدّة الحجاب، وسوء الجواب، وعبوس البواب، ولا تحذير الغراب، ولا منابذة الألقاب؛ فإنّ ذلك صائر بكم إلى محمود النوال، ومغن لكم عن ذلّ السؤال، واحتملوا اللّكزة الموهنة، واللطمة المزمنة، فى جنب الظفر بالبغية، ولدرك للأمنية، والزموا الطّوزجة للمعاشرين، والخفّة للواردين والصادرين، والتملّق للملهين والمطربين، والبشاشة للخادمين والموكلين؛ فإذا وصلتم إلى مرادكم فكلوا محتكرين، وادّخروا لغدكم مجتهدين؛ فإنكم أحقّ بالطعام ممن دعى إليه، وأولى به ممن وضع له، فكونوا لوقته حافظين، وفى طلبه مشمّرين، واذكروا قول أبى نواس:
لنخمس مال الله من كلّ فاجروذى بطنة للطيّبات أكول
هذا يقوله أبو نواس فى أبيات تستندر كلّها، ويستظرف جلّها، وهى:
وخيمة ناطور برأس منيفةتهمّ يدا من رامها بزليل
إذا عارضتها الشمس فاءت ظلالهاوإن واجهتها آذنت بدخول
حططنا بها الأثقال فلّ هجيرةعبوريّة تذكى بغير فتيل
تأنّت قليلا ثم فاءت بمذقةمن الظلّ فى رثّ الإناء ضئيل
كأنّا لديها بين عطفى نعامةجفا زورها عن مبرك ومقيل
حلبت لأصحابى بها درّة الصبّابصفراء من ماء الكروم شمول
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتىدعا همّه من صدره برحيل
فلما توافى الليل جنحا من الدجىتصابيت واستجملت غير جميل
وأعطيت من أهوى الحديث كما بداوذلّلت صعبا كان غير ذلول
فغنّى وقد وسّدت يسراى خدّهألا ربما طالبت غير منيل
فأنزلت حاجاتى بحقوى مساعدىوإن كان أدنى صاحب وخليل
فأصبحت ألحى السكر والسكر محسنألا ربّ إحسان عليك ثقيل
كفى حزنا أنّ الجواد مقتّرعليه، ولا معروف عند بخيل
سأبغى الغنى إما وزير خليفةيقوم سواء أو مخيف سبيل
بكل فتى لا يستطار فؤادهإذا نوّه الزحفان باسم قتيل
لنخمس مال الله من كل فاجروذى بطنة للطيبات أكول
ألم نر أنّ المال عون على التقىوليس جواد معدم كبخيل
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع