من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من كلام الأعراب (٣)
وسئل أعرابى عن سفر أكدى فيه، فقال: ما غنمنا إلا ما قصرنا من صلاتنا، فأمّا ما أكلته منا الهواجر، ولقيته منا الأباعر، فأمر استخففناه، لما أمّلناه.
وقال عبد قيس بن خفاف البرجمى لحاتم الطائى، وقد وفد عليه فى دماء حملها، قام ببعضها وعجز عن بعض: إنى حملت دماء عوّلت فيها على مالى وآمالى، فأمّا مالى فقدّمته، وكنت أكبر آمالى، فإن تحملها فكم من حقّ قضيت، وهمّ كفيت، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم آيس من غدك.
وقيل لأعرابى: لم لا تضرب فى البلاد ؟ فقال: يمنعنى من ذلك طفل بارك، ولصّ سافك، ثم إنى لست مع ذلك واثقا بنجح طلبتى، ولا معتقدا بقضاء
حاجتى، ولا راجيا عطف قرابتى؛ لأنى أقدم على قوم أطغاهم الشيطان، واستمالهم السلطان، وساعدهم الزّمان، وأسكرتهم حداثة الأسنان.
وخرج المهدى بعد هدأة من الليل يطوف بالبيت، فسمع أعرابية من جانب المسجد تقول: قوم متظلّمون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الدّيون؛ وعضّتهم السنون، باد رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثر عيالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله، ووصية رسول الله، فهل آمر بخير، كلأه الله فى سفره، وخلفه فى أهله. فأمر نصرا الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع