من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من مقامات البديع
ومن إنشاء البديع فى مقامات أبى الفتح الإسكندرى: حدثنى عيسى بن هشام قال: كنت ببغداذ، فى وقت الأراذ؛ فخرجت إلى السوق أعتام من أنواعه، لابتياعه، فسرت غير بعيد إلى رجل قد أخذ أنواع الفواكه وصفّفها، وجمع أنواع الرّطب وصنّفها؛ فقبضت من كل شىء أحسنه، وقرضت من كل نوع أجوده؛ وحين جمعت حواشى الإزار، على تلك الأوزار، أخذت عيناى رجلا قد لفّ رأسه [ببرقع] حياء، ونصب جسده، وبسط يده، واحتضن عياله، وتأبّط أطفاله، وهو يقول بصوت يدفع الضعف فى صدره، والحرض فى ظهره:
ويلى على كفّين من سويقأو شحمة تضرب بالدقيق
أو قصعة تملأ من خرديقتفثأ عنّا سطوات الرّيق
تقيمنا عن منهج الطريقيا رازق الثروة بعد الضيق
سهّل على كفّ فتى لبيقذى حسب فى مجده عريق
يهدى إلينا قدم التوفيقينقذ عيشى من يد الترنيق
قال عيسى بن هشام: فأخذت من فاضل الكيس أخذة وأنلته إياها، فقال:
يا من حبانى بجميل برّهأفضى إلى الله بحسن سره
واستحفظ الله جميل سترهإن كان لا طقلة لى بشكره
فالله ربّى من وراء أمره
قال عيسى بن هشام: فقلت: إن فى الكيس فضلا، فابرز لى عن باطنك أخرج لك عن آخره، فأماط لثامه، فإذا شيخنا أبو الفتح السكندرى، فقلت:
ويحك! أى داهية أنت؟ فقال:
نقضّى العمر تشبيهاعلى الناس وتمويها
أرى الأيام لا تبقىعلى حال فأحكيها
فيوما شرّها فىّويوما شرّتى فيها
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع