من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من رسائل الميكالى (٢)
فصل للأمير أبى الفضل الميكالى:
لا زالت الأيام تزيد رتبته ارتفاعا، وباعه اتّساعا، وعزّته غلبة وامتناعا، فلا يبقى مجد إلا شيّدته معاليه ومكارمه، ولا ملك إلّا افترعته صرائمه وصوارمه.
وله فصل: لا زالت حياة الأحرار بفضله متّسمة، ووجوه المكارم بغرر أيامه مبتسمة، وأهواء الصدور بخدمة ودّه مرتسمة، [وغنائم الشكر بين محاسن قوله وفعله مقتسمة].
وله: الله يديم راية الأمير الجليل محفوفة بالفلج والنصر، مكنوفة بالغلبة
والقهر، حتى لا يزاول خطبا إلا تذلّلت به صعابه، ولا يمارس أمرا إلا تيسّرت أسبابه، ولا يروم حالا إلا أذعن لهيبته وسلطانه، وخضع لسيفه وسنانه، وذلّ لمعقد لوائه، ومنثنى عنانه، إلى أن ينال من آماله أقاصيها، ويملك من باغيه أزمّتها ونواصيها [ويسامى الثريا بعلوّ همته ويناصيها].
وله فصل: إنما أشكو إليك زمانا سلب ضعف ما وهب، وفجع بأكثر مما أمتع، وأوحش فوق ما آنس، وعنف فى نزع ما ألبس؛ فإنه لم يذقنا حلاوة الاجتماع، حتى جرّعنا مرارة الفراق، ولم يمتعنا بأنس الالتقاء، حتى غادرنا رهن التلهّف والاشتياق، والحمد لله تعالى على كل حال يسىء ويسر، ويحلو ويمر، ولا أيأس من روح الله فى إباحة صنع يجعل ربعه مناخى، ويقصّر مدة البعاد والتراخى، فألاحظ الزمان بعين راض، ويقبل إلىّ حظّى بعد إعراض، وأستأنف بعزّته عيشا سابغ الذيول والأعطاف، رقيق المعانى والأوصاف، عذب الموارد والمناهل، مأمون الآفات والغوائل.
وله فصل: أنا أسأل الله تعالى أن يردّ على برد العيش الذى فقدته، وفسحة السرور الذى عهدته؛ فيقصر من الفراق أمده، ويعلو للالتقاء حكمه ويده، ويرجع ذلك العهد الذى رقّت غلائله، وصفت من الأقذاء مناهله، فلم أتهنّأ بعده بأنس مقيم، ولا تعلّقت يوما إلا بعيش بهيم.
فلو ترجع الأيام بينى وبينهبذى الأثل صيفا مثل صيفى ومربعى
أشدّ بأعناق النوى بعد هذهمرائر إن جاذبتها لم تقطّع
وما على الله بعزيز أن يقرّب بعيدا، ويهب طالعا سعيدا، ويسهّل عسيرا، ويفكّ من رقّ الاشتياق أسيرا.
وله فصل من كتاب إلى أبى منصور عبد الملك الثعالبى:
قرأت خبر سلامته، فسرى السرور فى الجوانح، واهتزّت النفس له اهتزاز الغصن تحت البارح:
أليس لأخبار الأحبّة فرحةولا فرحة العطشان فاجأه القطر
يقولون: قد أوفى لوقت كتابهفتنتشر البشرى وبنشرح الصّدر
ثم سألت الله تعالى أن يحرس علينا سلامته سابغة الملابس والمطارف، موصولة التالد بالطّارف.
وله فصل من كتاب تعزية عن أبى العباس بن الإمام أبى الطيب:
لئن كانت الرزيّة ممضّة مؤلمة، وطرق العزاء والسلوة مبهمة، لقد حلّت بساحة من لا تنتقض بأمثالها مرائره، ولا تضعف عن احتمالها بصائره، قد يتلقّاها بصدر فسيح، يحمى أن يبيخ الحزن جنابه، وصبر مشيح، يحمى أن يحبط الجزع أجره وثوابه؛ كيف لا وآداب الدين من عنده تلتمس، وأحكام الشرع من لسانه ويده تستفاد وتقتبس، والعيون ترمقه فى هذه الحال لتجرى على سننه، وتأخذ بآدابه وسننه؛ فإن تعزّت القلوب فبحسب تماسكه عزاؤها، وإن حسنت الأفعال فإلى حميد أفعاله ومذاهبه اعتزاؤها.
[من شعر الميكالى] جملة من شعره فى تحسين القوافى والغزل قال:
عذيرى من جفون رامياتبسهم السّحر من عينى غزال
غزانى طرفه حتى سبانىلأنتصرنّ منه بمن غزالى
وله أيضا:
أما حان أن يشتفى المستهامبزورة وصل وتأوى له
يجمجم عن سؤله هيبةويعلم؟؟؟ علمك تأويله
وقال أيضا:
شكوت إليه ما ألاقى فقال لى:رويدا ففى حكم الهوى أنت مؤتلى
فلو كان حقّا ما ادّعيت من الجوىلقلّ بما ألقى إذا أن تموت لى
وقال أيضا:
تفرّق قلبى فى هواه فعندهفريق وعندى شعبة وفريق
إذا ظمئت نفسى أقول لها: اسقنىفإن لم يكن راح لديك فريق
وقال أيضا:
شافه كفّى رشأبقبلة ما شفت
فقلت إذ قبّلهايا ليت كفّى شفتى
وقال:
يا شادنا غاب نجم الحسن لولاهقد كان يوسف لما مات ولّاه
ولّاه رقّى ظرف فى شمائلهفاشتطّ فى الحكم لولا أن تولّاه
ارحم فتى مدنفا ما إن يخلّصهمن غمرة الوجد إلا أنت والله
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع