من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الهوى
ورأى سعيد بن سلم بن قتيبة ابنا له قد شرع فى رقيق الشعر وروايته، فأنكر عليه، فقيل له: إنه قد عشق، فقال: دعوه فإنه يلطف، وينظف، ويظرف.
وقال الفضل بن أحمد بن أبى طاهر، واسم أبى طاهر طيفور: وصف الهوى قوم وقالوا: إنه فضيلة، وإنه ينتج الحيلة، ويشجّع قلب الجبان، ويسخّى قلب البخيل، ويصفّى ذهن الغبى، ويطلق بالشّعر لسان المفحم، ويبعث حزم العاجز الضعيف، وإنه عزيز تذل له عزّة الملوك، وتضرع فيه صولة الشجاع، وتنقاد له طاعة كل ممتنع، ويذلّل كلّ مستصعب، ويبرز كل محتجب، وهو داعية الأدب، وأول باب تفتّق به لأذهان والفطن،
وتستخرج به دقائق المكايد والحيل، وإليه تستريح الهمم، وتسكن نوافر الأخلاق والشّيم، يمتّع جليسه، ويؤنس أليفه، وله سرور يجول فى النفس، وفرح مستكن فى القلب، وبه يتعاطف أهل المودّة، ويتّصل أهل الألفة، وعليه تتألّف الأشكال، وله صولات على القدر، ومكايد تبطل لطائف الحيل، وظرف يظهر فى الأخلاق والخلق، وأرواح تسطع من أهلها، وتعبق من ذويها.
وقال اليمانى بن عمرو مولى ذى الرياستين: كان ذو الرياستين يبعث بى وبأحداث من أهله إلى شيخ بخراسان ويقول: تعلّموا منه الحكمة؛ فكنّا نأنيه، وإذا انصرفنا من عنده اعترضنا ذو الرياستين يسألنا عما أفادنا فنخبره؛ فسرنا إلى الشيخ يوما فقال لنا: أنتم أدباء، وقد سمعتم الحكمة، وفيكم أحداث، ولكم نعم، فهل فيكم عاشق؟ قلنا: لا، قال: اعشقوا؛ فإنّ العشق يطلق الغبىّ، ويفتح جبلّة البليد، ويسخّى كفّ البخيل، ويبعث على النظافة وحسن الهيئة، ويدعو إلى الحركة والذكاء، وشرف الهمة، وإياكم والحرام.
قال: فانصرفنا، فسألنا عما أفادنا فى يومنا؛ فهبناه أن نخبره، فعزم علينا.
فقلنا له: أمرنا بكذا وكذا، قال: صدق، أتعلمون من أين أخذ هذا الأدب؟
قلنا: لا. قال: إن بهرام جور كان له ابن رشّحه للملك من بعده، فنشأ ساقط الهمّة، خامل المروءة، دنىء النفس، سيّىء الأدب، كليل القريحة، كهام الفكر؛ فغمّه ذلك، ووكّل به من المؤدبين والمنجّمين والحكماء من يلازمه ويعلّمه، وكان يسألهم فيحكون له ما يسوءه، إلى أن قال له بعض مؤدبيه: قد كنا نخاف سوء أدبه فحدث من أمره ما صرنا إلى اليأس منه، قال: وما ذلك؟ قال:
رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها فغلبت عليه، فهو لا يهذى إلّا بأمرها، ولا يتشاغل إلّا بذكرها فقال بهرام جور: الآن رجوت صلاحه.
ثم دعا بأبى الجارية فقال: إنى مسرّ لك سرّا فلا يعدونّك. فضمن له ستره فأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته، وأنه يريد أن ينكحها إياه، وأمره أن يأخذها بإطماعه بنفسها، ومراسلته من غير أن يراها، أو تقع عينه عليها؛ فإذا استحكم طمعه فيهما تجنّت عليه، وهجرته، فإذا استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلّا لملك، أو من همّته همة ملك، وأن ذلك يمنعها من مواصلته، ثم ليعلمه خبرها وخبره، ولا يطلعها على ما أسرّ إليه، فقبل ذلك أبوها منه.
ثم قال للمؤدّب: خوّفه بى، وشجّعه على مراسلة الجارية، ففعل ذلك، وفعلت الجارية ما أمرها به أبوها؛ فلما انتهت إلى التجنّى عليه، وعلم الفتى السبب الذى كرهته من أجله أخذ فى الأدب، وطلب الحكمة، والعلم، والفروسية، ولعب الصّوالجة، والرّماية، حتى مهر فى ذلك، ورفع إلى أبيه أنه يحتاج من المطاعم والآلات والدوابّ والملابس والوزراء فوق الذى كان له؛ فسرّ الملك بذلك، وأمر له بما أراد، ودعا بمؤدّبه، فقال: إنّ الموضع الذى وضع ابنى نفسه فيه بحبّ هذه المرأة لا يزرى به؛ فتقدّم إليه أن يرفع أمرها إلىّ ويسألنى أن أزوّجه إياها، ففعل، فزوّجها منه، وأمر بتعجيل نقلها إليه، وقال له: إذا اجتمعت أنت وهى فلا تحدث شيئا حتى أصير إليك. فلما اجتمعا صار إليه فقال: يا بنى، لا يضعنّ منها عندك مراسلتها إياك، وليست فى حبالك، فأنا أمرتها بذلك، وهى من أعظم الناس منّة عليك، بما دعتك إليه من طلب الحكمة، والتخلّق بأخلاق الملوك، حتى بلغت الحدّ الذى تصلح معه للملك بعدى؛ فزدها فى التشريف والإكرام بقدر ما تستحقّ منك. ففعل الفتى ذلك، وعاش مسرورا بالجارية، وأبوه مسرورا به، وزاد فى إكرام المرزبان، ورفع مرتبته وشرفه بصيانته لسره وطاعته، وأحسن جائزته وجائزة المؤدب
بامتثاله أمره، وعقد لابنه الملك من بعده. قال اليمانى: وكان الشيخ الحسن بن مصعب.
ثم قال ذو الرياستين: قال على بن بلال:
سيهلك فى الدنيا شفيق عليكمإذا غاله من حادث الدّهر غائله
ويخفى لكم حبّا شديدا ورهبةوللناس أشغال، وحبّك شاغله
كريم يميت السرّ حتى كأنهإذا استخبروه عن حديثك، جاهله
يودّ بأن يمسى عليلا لعلّهاإذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويرتاح للمعروف فى طلب العلالتحمد يوما عند ليلى شمائله
وذكر أعرابى الهوى فقال: هو أعظم مسلكا فى القلب من الرّوح فى الحسم، وأملك بالنفس من النّفس. يظهر ويبطن، ويكثف ويلطف، فامتنع عن وصفه اللسان، وعيى عنه البيان! فهو بين السّحر والجفون، لطيف المسلك والكمون. وأنشد:
يقولون لو دبّرت بالعقل حبّهاولا خير فى حبّ يدبّر بالعقل
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع