من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
فعلات الأجواد
قال رجل لهشام بن عبد الملك: قد افتقرت يا أمير المؤمنين إلى ظهور حسن رأيك، فإن رأيت إظهاره بسرور الصديق، ورغم العدو، فعلت،
قال هشام: أوجزت وملحت فيما سألت؛ فلا تردّ لك طلبة، فما سأله شيئا إلا أعطاه أكثر منه.
قال حميد بن بلال: ولى عمرو بن مسعدة فارس وكرمان، فقال له بعض أصحابه: أيها الأمير، لو كان الحياء يظهر سؤالا لدعاك حيائى من كرمك فى جميع أهليك إلى الإقبال علىّ بما يكثر به حسد عدوّى، دون أن أسألك، فقال عمرو:
لا تبغ ذلك بابتذالك ماء وجهك، ونحن نغنيك عن اراقته فى خوض السؤال، فارفع ما تريده فى رقعة يصل إليك سرا، ففعل.
وقال رجل من أهل فارس: قدم على محمد بن طيفور، وهو عامل على بلاد أصبهان لبعض أهلها: كم تقدّرون صلات محمد فى كلّ سنة للشعراء والمتوسلين؟
قالوا: مائة ألف دينار، سوى الخلع والحملان.
وورد عليه يوما كتاب من بعض إخوانه فى شأن رجل استماحه له فى درجه:
أنت أعزّك الله تعالى أجلّ من أن يتوسّل بغيرك إليك، وأن يستماح جودك إلّا بك، غير أنى أذكرك بكتابى فى أمر حامله، ما شرع كرمك [من الشكر] وزرع إحسانك من الأجر، قبل الصادرين والواردين؛ فهنّاك الله تعالى ذلك، ولا زالت يد الله بجميل إحسانه ونعمته متواترة عليك.
فقال محمد للرجل: احتكم لك وله؛ فأخذ منه ألف دينار، ولمن كتب له مثلها.
وقال رجل لإبراهيم بن المهدىّ: قد أوحشنى منك تردّد غليل فى صدرى أهابك عن إظهاره، واجلّك عن كشفه، فقال له إبراهيم: لكنى أكشف لك معروفى، وأطهر إحسانى؛ فإن يكن غير هذين فى خلدك، فاكتب رقعة يخرج توقيعى؟؟؟ سرا لتقف على ما تحبّ، فبلغ كلامه المهدى فقال: هذا والله غاية الكرم.
وكتب محمد بن طيفور لبعض خاصته بمال كثير وصل به، فكتب الرجل إليه: قد استغرقت نعمتك وجوه الشكر لك، وغرر الحمد فيما سلف منك، ولولا فرط عجزى عن تلقّى ما يجب لك من الحمد لقبلت ما أنفذته.
فكتب إليه محمد: قد صغّر شكرك لنا ما أسلفناه إليك؛ فخذ ما أنفذناه ثوابا عن معرفتك بشكر التافه عندى، وإلّا سمح شكرك بما رأيناك له أهلا إلى أن يتسع قبول مثلك ما يستحقّ به جميل الدعاء، وجزيل الثناء، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع