من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
نبذة من لطائف ابن المعتز، وفضل تحققه بالبديع والاستعارات مما تتعيّن العناية بمطالعتها
قال أبو بكر الصولى: اجتمعت مع جماعة من الشعراء عند أبى العباس عبد الله بن المعتز، وكان يتحقق بعلم البديع تحققا ينصر دعواه فيه لسان مذاكرته، فلم يبق مسلك من مسالك الشعراء إلا سلك بنا شعبا من شعابه، وأوردنا أحسن ما قيل فى بابه، إلى أن قال أبو العباس: ما أحسن استعارة اشتمل عليها بيت واحد من الشعر؟ قال الأسدى: قول لبيد:
وغداة ريح قد كشفت وقرّةإذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
قال أبو العباس: هذا حسن، وغيره أحمد منه، وقد أخذه من قول ثعلبة ابن صعيرة المازنى:
فتذاكرا ثقلا رثيدا بعد ماألقت ذكاء يمينها فى كافر
وقول ذى الرمة أعجب إلىّ منه:
ألا طرقت مىّ هيوما بذكرهاوأيدى الثّريا جنّح فى المغارب
وقال بعضنا: بل قول لبيد أيضا:
ولقد حميت الخيل تحمل شكّتىفرط، وشاحى- إن غدوت- لجامها
قال أبو العباس: هذا حسن، ولكن نعدل عن لبيد.
وقال آخر: [قول الهذلى]:
ولو أننى استودعته الشمس لاهتدتإليه المنايا عينها ورسولها
قال أبو العباس: هذا حسن، وأحسن منه - فى استعارة لفظ الاستيداع- قول الحصين بن الحمام؛ لأنه جمع الاستعارة والمقابلة فى قوله:
نطاردهم نستودع البيض هامهمويستودعونا السمهرى المقوّما
وقال آخر: بل قول ذى الرّمة:
أقامت به حتى ذوى العود فى الثّرىوساق الثّريّا فى ملاءته الفجر
قال أبو العباس: هذا لعمرى نهاية الخبرة؛ وذو الرمة أبدع الناس استعارة، وأبرعهم عبارة، إلا أنّ الصواب حتى «ذوى العود والثرى»؛ لأن العود لا يذوى ما دام فى الثرى، وقد أنكره على ذى الرمة غير ابن المعتز. قال أبو عمرو ابن العلاء: كانت يدى فى يد الفرزدق فأنشدته هذا البيت، فقال: أرشدك أم أدعك؟ قال: فقلت: بل أرشدنى، فقال: إنّ العود لا يذوى فى الثّرى، والصواب «حتى ذوى العود والثرى».
قال الصولى: وكأنه نبه على ذى الرمة؛ فقلت: بل قوله:
ولمّا رأيت الليل والشمس حيّةحياة الذى يقضى حشاشة نازع
قال أبو العباس: اقتدحت زندك يا أبا بكر فأورى، هذا بارع جدا، وقد سبقه إلى هذه الاستعارة جرير حيث يقول:
تحيى الروامس ربعها وتجدّهبعد البلى فتميته الأمطار
وهذا بيت جمع الاستعارة والمطابقة؛ لأنه جاء بالإحياء والإماتة، والبلى والجدة، ولكن ذو الرمة قد استوفى ذكر الإحياء والإماتة فى موضع آخر فأحسن، وهو قوله:
ونشوان من طول النعاس كأنهبحبلين فى مشطونة يترجّح
إذا مات فوق الرّحل أحييت روحهبذكرك والعيس المراسل جنّح
فما أحد من الجماعة انصرف من ذلك المجلس إلا وقد غمره من بحر أبى العباس ما غاض معه معينه، ولم ينهض حتى زوّدنا من برّه ولطفه نهاية ما اتسعت له حاله.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع