من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
رياضة النفس على الفراق
؟ قلت: قول أعرابى:
وإنى لأستحيى عيونا، وأتّقىكثيرا، وأستبقى المودّة بالهجر
فأنذر بالهجران نفسى أروضهالأعلم عند الهجر هل لى من صبر
[فقال الرشيد: هذا مليح، ولكنى أستملح قول اعرابى آخر:
خشيت عليها العين من طول وصلهافهاجرتها يومين خوفا من الهجر
وما كان هجرانى لها عن ملالةولكننى جرّبت نفسى بالصبر]
قال الصولى: قال لى المبرد: عمك إبراهيم بن العباس أحزم رأيا من خاله العباس بن الأحنف فى قوله:
كان خروجى من عندكم قدراوحادثا من حوادث الزمن
من قبل أن أعرض الفراق علىقلبى، وأن أستعدّ للحزن
وقال عمك إبراهيم:
وناجيت نفسى بالفراق أروضهافقالت: رويدا لا أغرّك من صبرى
فقلت لها: فالهجر والبين واحدفقالت أأمنى بالفراق وبالهجر»
فقلت له: إنه نقل كلام خاله:
عرضت على قلبى الفراق فقال لىمن الآن فايأس لا أغرّك من صبرى
إذا صد من أهوى رجوت وصالهوفرقة من أهوى أحرّ من الجمر
وقال العباس بن الأحنف:
أروض على الهجران نفسى لعلّهاتماسك لى أسبابها حين أهجر
وأعلم أن النفس تكذب وعدهاإذا صدق الهجران يوما وتغدر
وما عرضت لى نظرة مذعرفتهافأنظر إلا مثّلت حين أنظر
[وقال المتنبى من المعنى:
حببتك قلبى قبل حبّى من نأىوقد كان غدّارا فكن أنت وافيا
وأعلم أنّ البين يشكيك بعدهافلست فؤادى إن وجدتك شاكيا]
قال الحاتمى: والذى أراه وأذهب إليه أن أحسن من هذا المعنى قول أبى صحر الهذلى:
ويمنعنى من بعض إنكار ظلمهاإذا ظلمت يوما وإن كان لى عذر
مخافة أنّى قد علمت لئن بدالى الهجر منها ما على هجرها صبر
وأنى لا أدرى إذا النفس أشرفتعلى هجرها ما يبلغنّ بى الهجر
فياحبّها زدنى جوّى كلّ ليلةويا سلوة الأحزان موعدك الحشر
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع