تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

شعر الأعراب

قال عبد الرحمن بن أخى الأصمعى: سمعت عمّى يحدث قال: أرقت ليلة من الليالى بالبادية، وكنت نازلا عند رجل من بنى الصّيداء، وكان واسع الرّحل، كريم المحل، فأصبحت وقد عزمت على الرجوع إلى العراق، فأتيت أبا مثواى، فقلت: إنى قد هلعت من الغربة، واشتقت إلى أهلى، ولم أفد فى قدمتى هذه كبير علم. وإنما كنت أغتفر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة؛ فأظهر الجفاوة حتى أبرز غداء له فتغدّيت، وأمر بناقة مهريّة كأنها سبيكة لجين [فارتحلها] واكتفلها، ثم ركب وأردفنى، وأقبلها مطلع الشمس؛ فما سرنا كبير مسير حتى لقينا شيخ على حمار، له جمّة قد صبغها بالورس، كأنها قنبيطة، وهو يترنّم، فسلّم عليه صاحبى، وسأله عن نسبه فاعتزى أسديا من بنى ثعلبة.

قال: أتروى أم تقول؟ قال: كلّا. قال: أين تؤم؟ فأشار إلى موضع قريب من الموضع الذى نحن فيه. فأناخ الشيخ، وقال لى: خذ بيد عمك فأنزله عن حماره، ففعلت، وألقى له كساء قد اكتفل به، ثم قال: أنشدنا يرحمك الله وتصدق على هذا الغريب بأبيات يبثهن عنك، ويذكرك بهن، فأنشدنى له:

لقد طال يا سوداء منك المواعدودون الجدا المأمول منك الفراقد
تمنّيننا بالوصل وعدا، وغيمكمضباب، فلا صحو، ولا الغيم جائد
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجدبفضل الغنى ألفيت مالك حامد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أخلفت سوداء منك المواعد»
وقلّ غناء عنك مال جمعتهإذا صار ميراثا وواراك لاحد
إذا أنت لم تعرك بجنبيك بعض مايريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزلعليك بروق جمّة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزلجنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
إذا أنت لم تترك طعاما تحبّهولا مقعدا تدعو إليه الولائد
تجلّلت عارا لا يزال يشبّهعليك الرجال نثرهم والقصائد

وأنشدنى لنفسه:

تعزّ فإنّ الصبر بالحرّ أجملوليس على ريب الزمان معوّل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
فلو كان يغنى أن يرى المرء جازعالنازلة أو كان يغنى التذلّل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
لكان التعزّى عند كل مصيبةونازلة بالحرّ أولى وأجمل
فكيف وكلّ ليس يعدو حمامهوما لامرىء مما قضى الله مزحل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
فإن تكن الأيام فينا تبدّلتبنعمى وبؤسى والحوادث تفعل
فما ليّنت منا قناة صليبةولا ذلّلتنا للذى ليس يجمل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
ولكن رحلناها نفوسا كريمةتحمّل ما لا يستطاع فتحمل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة
وقينا بحدّ العزم منا نفوسنافصحّت لنا الأعراض والناس هزّل

قال: فقمت إليه، وقد نسيت أهلى، وهان علىّ طول الغربة، وضنك العيش، سرورا بما سمعت، ثم قال: يا بنى؛ من لم يكن الأدب والعلم أحبّ إليه من الأهل والولد لم ينجب.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.