من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)
تفاوت الكناية والاستعارة والتمثيل
فصل: الاستعارة وبدائعها
إِعْلم أنَّ مِنْ شأنِ هذه الأجناسِ أنْ تجرى يه الفضيلةُ، وأن تَتفاوَتَ التفاوتَ الشديدَ، أفَلا تَرى أنك تجدُ في الاستعارةِ العاميَّ المبتذَلَ، كقولنا: "رأيتُ أسداً، ووردتُ بحراً، ولقيتُ بَدراً" والخاصيُّ النادرُ الذي لا تَجِدُه إلاَّ في كلامِ الفُحول، ولا يَقْوى عليه إِلا افرادُ الرَّجال، كقوله:
وسالتْ بأَعناقِ المَطِيِّ الأَباطِحُ
أراد أنها سارتْ سيرًا حثيثًا في غابة السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة، حتى كأنها كانت سُيُولاً وقعَتْ في تِلك الأباطحِ فجرتْ بها.
ومثلُ هذه الاستعارةِ في الحُسْن واللطفِ وعُلوِّ الطبقةِ في هذهِ اللفظة بعينها قولُ الآخر:
سالتْ عليهِ شِعابُ الحيِّ حينَ دَعاأَنْصَارَهُ، بوجُوهٍ كالدنانيرِ
أرادَ أنه مُطاعٌ في الحيِّ، وأنهم يُسْرعون إِلى نُصْرته، وأنه لا يَدْعوهم لِحَرْبٍ أو نازلِ خَطْب، إِلا أَتَوْه وكَثرُوا عليه، وازْدَحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء من ههنا وههنا، وتنْصبُّ من هذا المسيلِ وذلك، حتى يَغَصَّ بها الوادي ويطفَحَ منها.
ومن بديعِ الاستعارةِ ونادرِها، إِلا أن جهةَ الغرابةِ فيهِ غيرُ جهتِها في هذا، قولُ يزيدَ بنِ مَسلمة بنِ عبدِ الملكِ يصفُ فَرساً له، وأَنَّه مُؤدَّبٌ، وأنه إِذا نزَلَ عنه وألقَى عِنانَه في قَرَبوس سَرْجه، وقفَ مكانَه إِلى أن يعودَ إليه:
عوَّدْتُهُ فيما أَزورُ حَبَائبيإهمالَه، وكذاكَ كلَّ مَخاطِر
وإِذا احْتَبى قَرَبوسُهُ بعِنانِهِعَلَك الشَّكيمَ إلى انصراف الزائر
فالغرابة ههنا في الشَّبَه نَفْسِه، وفي أَنْ اسْتَدركَ أَنَّ هيئةَ العِنان في موقعهِ من قَربوس السِّرِج، كالهيئةِ في موضعِ الثَّوب مِنْ رُكْبة المُحْتبي.
وليسِت الغَرابةُ في قوله:
وسالتْ بأعناقِ المطيَّ الأباطحُ
على هذه الجملةِ، وذلك أنه لم يُغْرِبْ لأنْ جَعَلَ المطيَّ في سُرعةِ
سيرِها وسهولتهِ كالماءِ يجري في الأَبْطُحِ، فإنَّ هذا شَبَهٌ معروفٌ ظاهر، ولكنَّ الدِّقةَ واللطفَ في خصوصيةٍ أفادَها، بأنْ جعَلَ "سال" فعلاً للأباطحِ، ثم عدَّاه بالباءِ، ثم بأَن أدخلَ الأعناقَ في البين، فقال: "بأعناقِ المطيِّ"، ولم يَقُلْ: "بالمطيِّ"، ولو قالَ: "سالتِ المطيُّ في الأَباطح"، لم يَكُنْ شيئاً.
وكذلك الغرابةُ في البيتِ الآخر، ليسَ في مُطْلق معنى "سال"، ولكنْ في تَعْديته بعلى والباء، وبأنْ جعَلَه فِعْلاً لقولِه "شعابُ الحَيِّ" ولولا هذه الأمورُ كلُّها لم يكنْ هذا الحُسْنُ. وهذا مَوضعٌ يَدِقُّ الكلامُ فيه.
وهذِه أشياءُ من هذا الفن:
اليومُ يومانِ مُذْ غَيِّبْتَ عن بَصَرينفْسي فداؤك، ماذنبي فأَعْتَذِرُ
أُمسي وأُصِبحُ لا ألقاكَ، وَاحَزَنَاًلقدْ تأَنَّق في مكرُوهِيَ القَدَر
سَوَّارُ بن المضَرَّب، وهو لطيف جدًا:
بِعَرْض تَنُوفةٍ للريحِ فيهانَسيمٌ لا يرُوعُ الترب وإن
بعض الأعراب:
ولرب خصم جاهدين ذوي شذاتقذى صدورهم بهتر هاتر
لُدِّ ظأَرْتُهُم على ما ساءَهُمْوَخسَأْتُ باطِلَهم بحق ظاهر
المقصود لفظ: "خسأت".
ابن المعتز:
حتى إِذا ما عَرَف الصَّيْدَ الضّارْوأَذِن الصُّبْحُ لَنا في الإبصارْ
المعنى: حتى إِذا تَهيَّأ لنا أن نُبصر شيئاً لمَّا كانَ تعذُّرُ الإبصارِ مَنْعاً مِنَ الليل، جَعَل إمكانَهُ عند ظُهور الصبُّحِ إذْناً من الصبُّح.
وله:
بخيلٌ قدُ بُليتُ بهِيَكُدُّ الوعدَ بالحُجَجِ
وله:
يُناجِينيَ الإِخلافُ من تحتِ مَطْلِهِفَتَخْتَصِمُ الآمالُ واليأس في صدري
ومما هو في غايةِ الحُسن، وهو من الفَنَّ الأوّلِ، قولُ الشاعر أنشده الجاحظ:
لَقد كنتَ في قومٍ عليكَ أشحَّةٍبنَفْسِكَ إِلاّ أنَّ ما طاحَ طائحُ
يَوَدُّونَ لو خاطُوا عليكَ جلودَهُمْولا تَدفعُ الموتَ النفوسُ الشحائحُ
قال: وإِليه ذهبَ بشارٌ في قوله:
وصاحبِ كالدُّمَّلِ الْمُمِدِّحملْتُهُ في رُقعةٍ من جلدي
ومن سرِّ هذا البابِ، أنك تَرى اللفظَة المستعارةَ قد استُعيرتْ في عدَّةِ مواضعَ، ثم تَرى لها في بعضِ ذلك مَلاحةً لا تَجِدُها في الباقي. مثالُ ذلك أنك تَنْظر إلى لفظةِ "الجِسر" في قولِ أبي تمام:
لا يَطْمعُ المرءُ أن يجْتابَ لُجَّتَهُبالقولِ ما لمْ يَكُنْ جِسْراً له العَمَلُ
وقوله:
بَصْرْتَ بالرَّاحةِ العُظمى فلَمْ تَرَهاتُنَال إِلاّ عَلَى جسرٍ منَ التعَبِ
فتَرى لها في الثاني حُسْناً لا تَراه في الأَول، ثم تنظر إليها في قول ربيعة الرقى:
قُولي نَعمْ ونَعمْ إِنْ قُلتِ واجبةٌقالتْ عَسى وعسى جِسْرٌ إِلى نَعَمِ
فتَرى لها لُطْفاً وخَلابةً وحُسْناً ليس الفَضْلُ فيه بقليل.
ومما هو أَصْلٌ في شرَف الاستعارة، أنْ تَرى الشاعرَ قد نجمع بين عدةِ استعاراتٍ، قَصْداً إِلى أَنْ يُلحقَ الشكلَ بالشَّكْلِ، وأن يُتِمَّ المعنى والشَّبهَ فيما يريد، مثاله قول امرئ القيس:
فقلتُ لهُ لما تَمطَّى بصُلْبهوأَرْدَف أَعجازاً وناءَ بكَلْكَلِ
لمَّا جعلَ لِلَّيل صُلْباً قد تمطَّى به، ثَنَّى ذلك فجعَلَ لَهُ أَعجازاً قد أردفَ بها الصُّلْبَ، وثلََّثَ فجعَل له كَلْكَلاً قد ناءَ به، فاسْتَوفى له جملةُ أركانِ الشَّخصِ، وراعَى ما يرَاه الناظرُ من سَواده، إِذا نظرَ قُدَّامه، وإِذا نَظَر إِلى خَلْفِه، وإذا رفَعَ البصرَ ومدَّه في عُرْض الجو.
النص من طبعة مطبعة المدني بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع