من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)
مزايا النظم بحسب المعاني والأغراض
فصل: [في أن هذه المزايا في النظم، بحسب المعاني والأغراض التي تؤم]
بيان محاسن النظم:
وإِذ قد عرفْتَ أنَّ مدارَ أمرِ "النظْم" على مَعاني النحو، وعلى الوجُوهِ والفُروق التي من شأْنها أَنْ تكونَ فيه، فاعلمْ أنَّ الفروقَ والوجوهَ كثيرةٌ ليسَ لها غايةٌ تقفُ عندها، ونهاية لا تجد لهال ازدياداً بَعْدها ثم اعْلَمْ أنْ ليستِ المزيةُ بواجبةٍ لها في أنْفُسِها، ومِنْ حيثُ هي على الإِطلاق، ولكنْ تعرضُ بسببِ المعاني والأغراضِ التي يُوضعُ لها الكلامُ، ثم بحَسَبِ موقعِ بعضِها من بعضٍ، واستعمالِ بعضِها معَ بعضٍ.
تفسيرُ هذا: أنَّه ليسَ إِذا راقَكَ التنكيرُ في "سؤددٍ" من قولِه: "تنقَّلَ في خلقَيْ سؤددِ" وفي "دهرٌ" من قوله: "فلو إذْ نَبا دهرٌ"، فإِنه يَجبُ أنْ يروقَكَ أبداً وفي كلَّ شيء ولا إِذا استحسنْتَ لفظَ ما لم يُسمَّ فاعلُه في قوله "وأنكرَ صاحبٌ"، فإِنه ينبغي أَن لا تراهُ في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا بل ليسَ مِنْ فضلٍ ومزيةٍ إلاَّ بحسَبِ الموضع، وبحَسبِ المعنى الذي تُريدُ والغرض الذي تؤُمُّ. وإِنّما سبيلُ هذه المعاني سبيلُ الأَصباغِ التي تُعملُ منها الصورُ والنقوشُ، فكما أَنك ترَى الرجلَ قد تَهدَّى في الأصباغ التي عَمِلَ منها الصورةَ والنّقشَ في ثوبِه الذي نسج، إلى ضرب من التخير
والتدبُّر في أَنفس الأَصباغِ وفي مواقِعها ومقاديرِها وكيفيّةِ مَزْجه لها وتَرتيبه إِياها، إِلى ما لم يتَهدَّ إِليه صاحبُه، فجاء نَقشُه من أجْل ذلك أَعجَبَ، وصورتُه أغرَبَ، كذلك حالُ الشاعرِ والشاعرِ في توخِّيهما مَعاني النَّحو ووجوهِه التي علمت أنها محصول "النظم".
صفة "النظْم":
واعلمْ أنَّ مِن الكلام ما أنتَ تَرى المزيَّةَ في نَظْمه والحُسْنَ، كالآجزاءِ من الصِّبْغ تَتلاَحقُ وينْضَمُّ بعضُها إِلى بعض حتى تَكْثُرَ في العين، فأنتَ لذلك لا تُكْبِرُ شأْنَ صاحبهِ، ولا تَقْضِي له بالحِذْق والاستاذيَّة وسَعَةِ الذَّرْع وشدَّةِ المُنَّة، حتى تَستوفي القطعةَ وتأتيَ على عدّةِ أبياتٍ. وذلك ما كانَ مِن الشعر في طبقةِ ما أنشدْتُكَ من أبياتِ البُحتريَّ ومنْهُ ما أَنْتَ تَرى الحُسْنَ يَهجُمُ عليك منه دفعةً، ويأتيكَ منه ما يملأُ العينَ ضَرْبَةً حتى تعرفَ منَ البيت الواحد مكانَ الرَّجُلِ منَ الفضْل، وموضعَه منَ الحذْق، وتشْهَدَ له بفضلِ المُنَّة وطولِ الباع، وحتى تَعْلَم، إنْ لم تَعْلَم القائلَ، أنَّه مِنْ قِبَل شاعرٍ فحلٍ، وأنه خرجَ من تحتِ يَدٍ صَنَاعٍ، وذلك ما إذا أنْشَدْتَهُ وضعتَ فيه اليدَ على شيءٍ فقلتَ: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر
الشاعرُ، والكلامُ الفاخر، والنمطُ العالي الشريفُ والذي لا تَجده إلاَّ في شعْر الفحولِ البُزْلِ، ثم المطبوعين الذين يلهمون القول إلهامًا.
شواهد من محاسن النظم:
ثم إِنّك تحتاجُ إِلى أن تستقريَ عدَّة قصائدَ، بل أن تَفْليَ ديواناً من الشعر، حتى تَجْمعَ منه عدَّةَ أبياتٍ. وذلك ما كانَ مثْلَ قولِ الأَوّلِ، وتَمثَّل به أبو بكرِ الصّديقُ رضوانُ اللهِ عليه حين أَتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم:
تَمنَّانا ليَلْقانا بقومٍتخالُ بياضَ لأْمِهمُ السَرَابا
فقد لاقيْتَنا فرأيْتَ حَرْباًعَواناً تمنعُ الشيخَ الشَرَابا
أُنظرْ إِلى موضعِ "الفاء" في قولهِ:
فقد لاقيتنا فرأيت حربًا
ومثل قول العباس بن الأحنف:
قَالُوا خراسانُ أَقصى ما يُرادُ بِنا،ثُمَّ القفولُ، فقد جئْنا خُراسانا
أنظرْ إِلى موضعِ "الفاء" و "ثم" قبلها.
ومثلُ قولِ ابنِ الدمينة:
أبينى أفي يمنى يديك جعلتنيفأقرح، أمْ صَيِّرْتِني في شِمالِكِ
أَبِيتُ كأَنّي بين شِقَّيْنِ من عَصَاحِذارَ الرَّدى، أو خيفة من زيالِكِ
تَعَالَلْتِ كيْ أشْجى، وما بكِ علَّةٌتُريدينَ قَتْلِي قد ظفْرتِ بذلكِ
انظر إِلى الفصْل والاستئنافِ في قوله:
تُريدين قتلي، قد ظفرتِ بذلك
ومثلُ قولِ أبي حَفْصٍ الشَّطرنجيَّ، وقاله على لسانِ عُلَيَّةَ أُختِ الرَّشيد، وقد كان الرَّشيدُ عتبَ عليها:
لو كانَ يمنَعُ حسْنُ الفعْلِ صاحبَهُمِنْ أنْ يكونَ له ذنبٌ إِلى أَحَدِ
كانتْ عليه أبرى الناس كلهممن أن نكافا بسوء آخر الأبد
ما أعجب الشيء نرجوه فتحرمهقد كنت أحسب أني ملأت يدي
انظرْ إِلى قولهِ: "قد كنتُ أَحسبُ" وإِلى مكان هذا الاستئناف.
ومثل قول أبي داود:
ولقَدْ أَغْتَدِي يُدافِعُ رُكْنيأَحْوَذِيٌّ ذُو مَيْعَةٍ إضْريجُ
سَلهبٌ شَرْجبٌ كأنَّ رِماحاًحَمَلتْهُ وَفِي السَّراةِ دُموجُ
انظرْ إلى التنكيرِ في قولِه "كأن رماحًا".
ومثل قول ابن البواب:
أَتيتُكَ عائذاً بكَ مِنْــكَ لمَّا ضاقَتِ الحِيَلُ
وصَيَّرني هواكَ وبيلَحَيْني يُضْرَبُ المَثَلُ
فإنْ سَلِمتْ لكُمْ نَفْسيفَما لاقَيْتُهُ جَلَلُ
وإنْ قَتل الهوى رجُلاًفإِني ذلك الرَّجُلُ
أُنُظرْ إِلى الإِشارةِ والتعريفِ في قولهِ: "فإِني ذلك الرَّجُل".
ومثل قولِ عبدِ الصمد:
مكْتَئِبٌ ذُو كَبدٍ حَرَّىتَبْكي عليهِ مُقلَةٌ عَبْرى
يَرْفعُ يُمنْاهُ إِلى رَبِّهيَدْعو وفوقَ الكبد اليسرى
انظر إلى لفظة: "يدعو" وإِلى موقعها.
ومثلُ قولِ جرير:
لِمَن الديارُ ببُرقة الرَّوَحانِإِذ لا نَبيعُ زمانَنا بزمانِ
صَدعَ الغَواني إِذْ رَمَيْنَ، فؤادَهُصَدْعَ الزجاجة مالذاك تَدانِ
أُنظرْ إِلى قوله: "ما لذاك تدانِ"، وتأَمَّلْ حالَ هذا الاستئناف.
ليس من بصيرٍ عارفٍ بجوهر الكلام، حسَّاس مُتفهِّم لسرِّ هذا الشأنِ، يُنْشِدُ أو يَقرأ هذه الأبياتَ، إلاَّ لم يلبثْ أَنْ يضَعَ يدَه في كلَّ بيتٍ منها على الموضِع الذي أشرتُ إليه، يَعْجَبُ ويُعَجِّب ويُكْبِر شأنَ المزيةِ فيه والفضْلَ.
النص من طبعة مطبعة المدني بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع