تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْوَزير مُحَمَّد بن الْقَاسِم يلاقي عَاقِبَة ظلمه

حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحسن، الشَّاهِد الْمَعْرُوف بالجراحي، من حفظه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن بن أبي الطَّاهِر مُحَمَّد بن الْحسن الْكَاتِب، صَاحب الْجَيْش، قَالَ: قبض عَليّ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عبيد الله، فِي أَيَّام وزارته للقاهر بِاللَّه، وعَلى أبي، فحبسنا فِي حجرَة ضيقَة، وأجلسنا على التُّرَاب، وشدد علينا، وَكَانَ يخرجنا فِي كل يَوْم، فَيُطَالب أبي بِمَال المصادرة، وأضرب أَنا بِحَضْرَة أبي، وَلَا يضْرب هُوَ، فلاقينا من ذَلِك أمرا شَدِيدا صعبا.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، قَالَ: لي أبي: إِن هَؤُلَاءِ الموكلين، قد صَارَت لَهُم بِنَا حُرْمَة، فتوصل إِلَى مُكَاتبَة أبي بكر الصَّيْرَفِي، وَكَانَ صديقا لأبي - حَتَّى

ينفذ إِلَيْنَا بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، نفرقها فيهم، فَفعلت ذَلِك، فأنفذ إِلَيْنَا بِالْمَالِ من يَوْمه.

فَقلت للموكلين، فِي عشي ذَلِك الْيَوْم: قد وَجَبت لكم علينا حُقُوق، فَخُذُوا هَذِه الدَّرَاهِم، فانتفعوا بهَا، فامتنعوا.

فَقلت: مَا سَبَب امتناعكم؟ فوروا عَن ذَلِك.

فَقلت: إِمَّا قبلتم، وَإِمَّا عرفتمونا السَّبَب الَّذِي لأَجله امتناعكم.

فَقَالُوا: نشفق عَلَيْكُم، ونستحي من ذَلِك.

فَقَالَ لَهُم أبي: اُذْكُرُوهُ على كل حَال.

قَالُوا: قد عزم الْوَزير على قتلكما اللَّيْلَة، وَلَا نستحسن أَخذ شَيْء مِنْكُمَا مَعَ هَذَا.

فقلقت، وَدخلت إِلَى أبي بِغَيْر تِلْكَ الصُّورَة، فَقَالَ: مَا لَك؟ فَأَخْبَرته بالْخبر، وَقلت لأبي: مَا أصنع بِالدَّرَاهِمِ؟ فَقَالَ: ردهَا على أبي بكر، فرددتها عَلَيْهِ.

وَكَانَ أبي يَصُوم تِلْكَ الْأَيَّام كلهَا، فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس، تطهر، وَصلى الْمغرب، فَصليت مَعَه، وَلم يفْطر، ثمَّ أقبل على الصَّلَاة وَالدُّعَاء، إِلَى أَن صلى الْعشَاء الْآخِرَة، ثمَّ دَعَاني.

فَقَالَ: اجْلِسْ يَا بني إِلَى جَانِبي، جاثيا على ركبتك، فَفعلت، وَجلسَ هُوَ كَذَلِك.

ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: يَا رب، مُحَمَّد بن الْقَاسِم ظَلَمَنِي وحبسني على مَا ترى، وَأَنا بَين يَديك، وَقد استعديت إِلَيْك، وَأَنت أحكم الْحَاكِمين، فاحكم بَيْننَا، لَا يزِيد عَن ذَلِك.

ثمَّ صَاح بهَا إِلَى أَن ارْتَفع صَوته، وَلم يزل يكررها بصياح ونداء واستغاثة، إِلَى أَن ظَنَنْت أَنه قد مضى ربع اللَّيْل.

فوَاللَّه مَا قطعهَا حَتَّى سَمِعت الْبَاب يدق، فَذهب عَليّ أَمْرِي، وَلم أَشك فِي أَنه الْقَتْل.

وَفتحت الْأَبْوَاب، فَدخل قوم بشموع، فتأملت، وَإِذا فيهم سَابُور، خَادِم القاهر، فَقَالَ: أَيْن أَبُو طَاهِر؟ فَقَامَ إِلَيْهِ أبي، فَقَالَ: هَا أنذا.

فَقَالَ: أَيْن ابْنك؟ فَقَالَ: هوذا.

فَقَالَ: انصرفا إِلَى منزلكما، فخرجنا، فَإِذا هُوَ قد قبض على مُحَمَّد بن الْقَاسِم، وحدره إِلَى دَار القاهر.

وعاش مُحَمَّد بن الْقَاسِم فِي الاعتقال ثَلَاثَة أَيَّام، وَمَات.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.