من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
مُوسَى بن عبد الْملك، صَاحب ديوَان الْخراج يَمُوت وَهُوَ على صهوه جَوَاده
قَالَ أَبُو عَليّ القنائي، قَالَ لي جدي: بكرت يَوْمًا إِلَى مُوسَى بن عبد الْملك، وَحضر دَاوُد بن الْجراح، فَوقف إِلَى جَانِبي، فَقَالَ لي: كَانَ لي أمس خبر طريف، انصرفت من عِنْد مُوسَى بن عبد الْملك، فَوجدت فِي منزلي امْرَأَة من شرائف النِّسَاء، فشكته إِلَيّ، وَقَالَت: قد حاول أَن يَأْخُذ ضيعتي الْفُلَانِيَّة، وَأَنت تعلم أَنَّهَا عمدتي فِي معيشتي، وَأَن فِي عنقِي صبية أيتاما، فَأَي شَيْء تدبر فِي أَمْرِي، أَو تُشِير عَليّ؟.
فَقلت: من مَعَك وَرَاء السّتْر؟ فَقَالَت: مَا معي أحد.
فَقلت: أما التَّدْبِير فِي أَمرك، فَمَا لي فِيهِ حِيلَة، وَأما المشورة، فقد قَالَ النبطي: لَا تبع أَرْضك من إقدام الرجل السوء، فَإِن الرجل السوء يَمُوت، وَالْأَرْض تبقى، فدعَتْ لي، وانصرفت.
فَمَا انْقَضى كَلَامه، حَتَّى خرج مُوسَى، فَقَالَ لدواد: يَا أَبَا سُلَيْمَان، لَا تبع أَرْضك من إقدام الرجل الرَّدِيء، فَإِنَّهُ يَمُوت، وَالْأَرْض تبقى.
فَقَالَ لي دَاوُد: أسمعت؟ هَذَا وَالله الْمَوْت، أَيْن أهرب؟ أَيْن أمضي؟ مَا آمنهُ وَالله على نَفسِي، وَلَا على نعمتي، فأشر عَليّ بِمَا أصنع، قبل نَفاذ طريقنا، ونزولنا مَعَه إِلَى الدِّيوَان.
فَقلت: وَالله، مَا أَدْرِي.
فَرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي أمره، وشره، وضره، فَإنَّك تعلم قصتي، وَأَنِّي مَا أردْت بِمَا قلت إِلَّا الْخَيْر، وَاشْتَدَّ قلقه وبكاؤه ودعاؤه.
وقربنا من الدِّيوَان، فَقَالَ مُوسَى، وَهُوَ على دَابَّته: مَتى حدث هَذَا الْجَبَل الْأسود فِي طريقنا؟ وَمَال على سَرْجه حَتَّى سقط، وأسكت.
فَحمل إِلَى منزله، وَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع