من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج وخليفته فِي الظُّلم وَالْبَغي
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: وَجه سُلَيْمَان بن عبد الْملك، حِين ولي الْخلَافَة، مُحَمَّد بن يزِيد إِلَى الْعرَاق، فَأطلق أهل السجون، وَقسم الْأَمْوَال، وضيق على يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج، فظفر بِهِ يزِيد بأفريقية لما وَليهَا فِي شهر رَمَضَان عِنْد الْمغرب، وَفِي يَده عنقود عِنَب.
فَجعل مُحَمَّد يَقُول: اللَّهُمَّ احفظ لي إطلاقي الأسرى، وإعطائي الْفُقَرَاء.
فَقَالَ لَهُ يزِيد حِين دنا مِنْهُ: مُحَمَّد بن يزِيد؟ مَا زلت أسأَل الله أَن يظفرني بك.
قَالَ لَهُ: وَمَا زلت أسأَل الله، أَن يجيرني مِنْك.
قَالَ: وَالله، مَا أجارك، وَلَا أَعَاذَك مني، وَوَاللَّه لأَقْتُلَنك قبل أَن آكل هَذِه الْحبَّة الْعِنَب، وَوَاللَّه لَو رَأَيْت ملك الْمَوْت يُرِيد قبض روحك، لسبقته إِلَيْهَا.
فأقيمت الصَّلَاة، فَوضع يزِيد الْحبَّة الْعِنَب من يَده، وَتقدم، فَصلي بهم.
وَكَانَ أهل أفريقية قد أَجمعُوا على قَتله، فَلَمَّا ركع، ضربه رجل مِنْهُم على رَأسه بعمود حَدِيد، فَقتله.
وَقيل لمُحَمد: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت، فَمضى سالما.
ذكره القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه بِغَيْر إِسْنَاد، وَلم يعزه إِلَى الْمَدَائِنِي، وَجَاء بِهِ على خلاف هَذَا اللَّفْظ، وَالْمعْنَى وَاحِد، إِلَّا أَنه جعل بدل مُحَمَّد بن يزِيد، وضاحا، صَاحب عمر بن عبد الْعَزِيز، وبدلا من سُلَيْمَان بن عبد الْملك، عمر بن عبد الْعَزِيز، وَلم يذكر الدُّعَاء فِي خَبره.. وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، على غير هَذَا، حَدَّثَنِيهِ عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن زِيَاد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو همام الصَّلْت بن مُحَمَّد الخاركي، قَالَ: حَدَّثَنَا
مسلمة بن عَلْقَمَة، عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن يزِيد، قَالَ: إِن سُلَيْمَان بن عبد الْملك، أنفذ مُحَمَّد بن يزِيد إِلَى ديماس الْحجَّاج، وَفِيه يزِيد الرقاشِي، وَيزِيد الضَّبِّيّ، وعابدة من أهل الْبَصْرَة، فأنطلق كل من فِيهِ، غير يزِيد بن أبي مُسلم.
فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان، قَالَ مُحَمَّد: كنت مُسْتَعْملا على أفريقية، إِذْ قدم يزِيد بن أبي مُسلم، أَمِيرا، فِي خلَافَة يزِيد بن عبد الْملك.
قَالَ مُحَمَّد: فعذبني عذَابا شَدِيدا، حَتَّى كسر عِظَامِي، فَأتي بِي يَوْمًا
فِي كسَاء، أحمل عِنْد الْمغرب.
فَقلت لَهُ: ارْحَمْنِي.
فَقَالَ: التمس الرَّحْمَة من عِنْد غَيْرِي، وَلَو رَأَيْت ملك الْمَوْت عِنْد رَأسك، لبادرته إِلَى نَفسك، اذْهَبْ حَتَّى أصبح لَك.
فدعوت الله، وَقلت: اللَّهُمَّ اذكر مَا كَانَ مني فِي أهل الديماس، اذكر يزِيد الرقاشِي، وَفُلَانًا وَفُلَانًا، واكفني شَرّ يزِيد بن أبي مُسلم، وسلط عَلَيْهِ من لَا يرحمه، وَاجعَل ذَلِك من قبل أَن يرْتَد إِلَيّ طرفِي، وَجعلت أحبس طرفِي رَجَاء الْإِجَابَة.
فَدخل عَلَيْهِ نَاس من البربر، فَقَتَلُوهُ، ثمَّ أطلقوني، فَقَالُوا لي: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت.
فَقلت لَهُم: اذْهَبُوا واتركوني، فَإِنِّي أَخَاف إِن انصرفت، أَن يظنّ أَن هَذَا من عَمَلي.
فَذَهَبُوا، وتركوني.
حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنِي مُحدث
عَن أُميَّة بن خَالِد عَن وضاح بن خَيْثَمَة، قَالَ: أَمرنِي عمر بن عبد الْعَزِيز بِإِخْرَاج من فِي السجْن، فأخرجتهم إِلَّا يزِيد بن أبي مُسلم، فَنَذر دمي، فَإِنِّي لبإفريقية، إِذْ قيل لي: قد قدم يزِيد بن أبي مُسلم، فهربت مِنْهُ، فَأرْسل فِي طلبي، فَأخذت، وَأتي بِي إِلَيْهِ.
فَقَالَ: وضاح؟ قلت: وضاح.
فَقَالَ: أما وَالله، طالما سَأَلت الله أَن يمكنني مِنْك.
فَقلت: وَأَنا وَالله لطالما سَأَلت الله أَن يعيذني مِنْك.
فَقَالَ: وَالله، مَا أَعَاذَك مني، وَوَاللَّه، لأَقْتُلَنك، وَلَو سابقني إِلَيْك ملك الْمَوْت، لسبقته.
ثمَّ استدعى بِالسَّيْفِ والنطع، فجيء بهما، وكتفت، وأقعدت فِيهِ، لتضرب عنقِي، وَقَامَ قَائِم على رَأْسِي بِالسَّيْفِ مَشْهُورا، فأقيمت الصَّلَاة فَخرج يزِيد وَصلى بهم، فَلَمَّا خر سَاجِدا، أَخَذته سيوف الْجند، وأطلقت.
حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن مُحَمَّد السَّرخسِيّ أَبُو بكر، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب، عَن الزبير بن بكار، قَالَ: كَانَ وضاح حاجبا لعمر بن عبد الْعَزِيز، فَلَمَّا حضرت عمر الْوَفَاة أَمر بِإِخْرَاج كل من فِي الْحَبْس، إِلَّا يزِيد بن أبي مُسلم.
وَذكر الحَدِيث.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع